ملف ملعب “Le Padel” يهز طنجة.. هل يجر الترخيص المخالف للقانون عمدة المدينة نحو العزل

تشهد مدينة طنجة منذ مدة حالة من الجدل القانوني والإداري غير المسبوق بسبب ملف مشروع ملعب “Le Padel” بتجزئة “La Prairie Rose 2” بحي بوبانة، وهو مشروع تمت إقامته فوق قطعة أرض كانت مخصصة في دفتر التحملات الأصلي للعب الأطفال، قبل أن تحولها الشركة صاحبة المشروع “LA PRAIRIE ROSE S.A.R.L” إلى ملعب رياضي ومقهى وقاعة ألعاب دون ترخيص قانوني مسبق. وقد شكل هذا التغيير المفاجئ خرقا واضحا لمقتضيات دفتر التحملات المصادق عليه بموجب الإذن بإحداث التجزئة العقارية رقم 2018/DGPL/01 المؤرخ في 18 نونبر 2019، وقرار التسليم المؤقت رقم 05/RECEPTION/2019 المؤرخ في 20 دجنبر من السنة نفسها.

تفاصيل هذا الملف انطلقت عندما تقدم سكان تجزئة “لابريري روز 2” بعدة شكايات إلى السلطات المحلية والوكالة الحضرية لطنجة ومصالح التعمير، مؤكدين أن المشروع يشكل تعديا على حقهم في بيئة سكنية هادئة، وأنه يخالف المقتضيات القانونية المنظمة للتعمير، وبناء على تلك الشكايات، قامت لجنة مختلطة بمعاينة ميدانية يوم 10 أكتوبر 2024، خلصت إلى أن الملعب الرياضي “Le Padel” تم تشييده فعلا دون الحصول على ترخيص قانوني من الجهات المختصة، وأوصت اللجنة في محضرها الرسمي بإيقاف النشاط المزاول فيه ومطالبة صاحبة المشروع بتقديم الوثائق التقنية والإدارية المطلوبة، وقد جاء جواب الوكالة الحضرية صريحا ومفصلا، يؤكد واقعة البناء بدون ترخيص، ويشير إلى وجوب التقيد بالتوصيات الصادرة عن اللجنة، ما يعني أن المشروع كان مخالفا من الناحية القانونية والتنظيمية.

رغم هذه المعطيات القطعية، تفاجأ السكان بعد بضعة أشهر بإعلان رسمي عن إجراء بحث حول المنافع والمضار بخصوص مشروع إحداث ملعب “Le Padel” بالقطعة الأرضية موضوع الرسم العقاري رقم 223897/06، وذلك في الفترة الممتدة من 26 مارس إلى 10 أبريل 2025، بناء على طلب تقدمت به الشركة نفسها، الأكثر إثارة للانتباه هو أن رئيس جماعة طنجة، منير الليموري، وقع لاحقا على رخصة بناء رسمية لفائدة الشركة بتاريخ 7 يوليو 2025، تحت رقم GUctgr-0153/2025، تسمح بتهيئة الملعب فوق نفس الأرض التي وصف بناؤها سابقا بأنه غير قانوني.

هذه الخطوة خلقت موجة تساؤلات حول منطقية القرار ومشروعيته، خاصة أن الترخيص الجماعي جاء بعد صدور محاضر رسمية تؤكد المخالفة، وبعد أن كانت دعوى قضائية رائجة أمام المحكمة الابتدائية بطنجة (ملف عدد 2024/1404/650) تتعلق بالمطالبة برفع الضرر وهدم البناء المحدث، على اعتبار أن منح الترخيص في ظل هذه المعطيات يمكن اعتباره شكلا من أشكال التسوية بأثر رجعي، وهو إجراء يتعارض مع مقتضيات القانون رقم 12-90 المتعلق بالتعمير، الذي يلزم بأن تمنح التراخيص قبل الشروع في الأشغال لا بعدها.

من جهة أخرى، يعتبر رأي الوكالة الحضرية ملزما في جميع المساطر المتعلقة بالمشاريع العمرانية، وهو ما يجعل تجاهله بمثابة تجاوز صريح للمادة 101 من القانون التنظيمي رقم 113-14 المتعلق بالجماعات، والتي تنص على ضرورة احترام رئيس الجماعة للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل في ممارسته لاختصاصاته، كما أن المادة 64 من القانون نفسه تخول لوزير الداخلية، بناء على تقرير من الوالي، إمكانية عزل رئيس الجماعة إذا ارتكب خطأ جسيما يمس المرفق العام أو يخرق القوانين التنظيمية. هذه النصوص تجعل التساؤل مشروعا حول ما إذا كان والي جهة طنجة تطوان الحسيمة يونس التازي سيلجأ إلى تفعيل هذه المسطرة في حق العمدة منير الليموري، خاصة أن الوثائق الرسمية المتوفرة تثبت تناقضا بين قرارات الجماعة وتوصيات الوكالة الحضرية.

جدير بالذكر أن الاختلالات في هذا الملف لا تقتصر على الجانب القانوني فحسب، بل تمتد أيضا إلى البعد الأخلاقي والإداري في تدبير الشأن المحلي، لأن المفترض في مؤسسة الجماعة أن تكون حامية لحقوق الساكنة وحارسة لاحترام التعمير، لا أن تتحول إلى طرف يمنح الشرعية لبناء غير مرخص، كما أن تزامن الترخيص مع استمرار النزاع القضائي يظهر نوعا من الاستعجال غير المبرر في اتخاذ القرار، مما يضع مصداقية التدبير الجماعي تحت المجهر.

في المقابل، يمكن القول إن العمدة الليموري حاول من خلال هذا القرار تسوية وضعية قائمة لتجنب تعطيل استثمار قائم بالفعل، غير أن هذه المقاربة البراغماتية تصطدم بمبدأ سمو القانون الذي لا يسمح بتقنين ما بدأ مخالفا، وبالتالي فالتوازن بين تشجيع الاستثمار واحترام القواعد القانونية يظل من أعقد الإشكالات في تدبير المدن الكبرى، خصوصا حين يتعارض المشروع مع دفتر التحملات المصادق عليه الذي يعتبر بمثابة عقد قانوني بين المنعش العقاري والساكنة والإدارة.

هذا الملف يعيد إلى الواجهة موضوع الرقابة الإدارية على الجماعات الترابية، ودور والي الجهة في ضمان احترام القانون، وفقاً للمادتين 115 و116 من القانون التنظيمي، اللتين تمنحانه صلاحية توقيف المقررات الجماعية وإحالة التقارير إلى وزارة الداخلية عند وجود مخالفات جسيمة. فهل سيعتبر الوالي هذه الواقعة مجرد خطأ إداري عادي يمكن معالجته بالتنبيه؟ أم أنها ترقى إلى مرتبة الخطأ الجسيم الذي يستدعي تفعيل مسطرة العزل؟

فالسوابق في هذا المجال كثيرة، فقد سبق أن تم عزل عدد من رؤساء الجماعات في مدن مختلفة مثل سلا وإنزكان ومراكش بسبب مخالفات تتعلق بالتعمير ومنح تراخيص غير قانونية، بناء على تقارير ولائية رفعت إلى وزارة الداخلية. وإذا تم تطبيق نفس المنطق القانوني على حالة طنجة، فإن منح ترخيص لبناء غير مرخص مسبقاً، رغم وجود توصية رسمية بالإيقاف، يمكن أن يدخل ضمن نفس الفئة من المخالفات.

ومع كل هذا يبدو أن قضية ملعب “Le Padel” تجاوزت حدود نزاع عمراني عادي لتتحول إلى قضية مبدئية تتعلق بمدى احترام المسؤولين المنتخبين لمقتضيات القانون، وبقدرة السلطة الإدارية على فرض الرقابة والمساءلة، فهي اختبار حقيقي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة الذي نص عليه الدستور المغربي، وامتحان لمصداقية مؤسسات الدولة في التعامل مع تجاوزات تمس الشأن المحلي مباشرة. اليوم يجد والي جهة طنجة تطوان الحسيمة نفسه أمام لحظة حاسمة، فإما أن يتجه نحو تفعيل مسطرة العزل تطبيقا للقانون، أو أن يختار نهج التسوية الإدارية التي قد تقرأ على أنها تواطؤ بالصمت، وبين هذين الخيارين، تبقى أعين الرأي العام معلقة على مصير هذا الملف الذي أصبح عنوانا صارخا للتناقض بين النص القانوني والواقع العملي في تدبير التعمير بمدينة طنجة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *