شارع السعديين بين ورش التهيئة واحتلال الجزارين للملك العمومي.. فمن يحمي هيبة الدولة بمكناس؟

انطلقت أشغال تهيئة شارع السعديين بمدينة مكناس بعد انتظار طويل من الساكنة، في مشروع تبلغ كلفته حوالي 59.2 مليون درهم، تحت إشراف الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع وجماعة مكناس. وقد حددت مدة إنجاز الأشغال في تسعة أشهر، في إطار ورش تنموي يعول عليه لإعادة الاعتبار لأحد أهم المحاور الحضرية التي تربط حي البساتين بمركز المدينة الجديدة “حمرية”. غير أن انطلاق هذا الورش الذي انتظرته الساكنة سنوات، تزامن مع مظاهر فوضى غير مقبولة، أفرغت الحلم من معناه وأعادت طرح سؤال غياب الصرامة في تطبيق القانون.
فبينما كانت الجرافات تباشر أشغالها الأولى بهدم جنبات الشارع وإعادة تأهيل محيطه، برز مشهد مقلق تمثل في رفض عدد من أصحاب محلات الجزارة بسوق “كونيفا البساتين” الانصياع لقرار جماعي قانوني صادر عن رئيس جماعة مكناس يقضي بتحرير الملك العمومي وإزالة كل ما شيد فوقه دون ترخيص، ليتحول هذا الرفض إلى حالة من التحدي الصريح، خصوصا بعدما تمادى بعضهم في التعنت معرقلين سير الأشغال الميدانية، في تصرف يختزل أزمة احترام القانون داخل المدينة ويكشف حدود سلطة القرار الإداري على أرض الواقع.
الأكيد أن هذا الوضع لا يمكن النظر إليه كخلاف إداري عابر، بل هو تجل واضح لتآكل هيبة المؤسسات، لأنه حين يتجرأ البعض على تعطيل ورش عمومي ضخم بسبب تمسكهم باحتلال غير قانوني، فهذا ليس له سوى قراءة واحدة وهي أن المنظومة الرقابية والتنفيذية لم تقم بدورها كما ينبغي، والمقلق الأكثر أن هذه الفوضى تتواصل دون أن تتحرك السلطات بالصرامة المطلوبة، وكأن احترام القانون أصبح مسألة تفاوض لا التزام.
مظاهر الفوضى لا تقف عند حد الاستيلاء على الملك العمومي فقط، بل تجاوزت ذلك إلى عرض اللحوم الحمراء على قارعة الطريق وسط الغبار الكثيف والأتربة المتطايرة بفعل الأشغال الجارية، وفي ظروف تفتقر إلى أبسط شروط النظافة والسلامة الصحية. ومع مرور السيارات والحافلات التي تنفث دخانها في الهواء، تصبح تلك اللحوم عرضة للتلوث المباشر، في مشهد يناقض تماما روح المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي أُقيمت في إطارها هذه المحلات في الأصل.
ورغم وضوح الخطر الذي يهدد صحة المستهلك، لم يسجل أي تدخل للمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية “ONSSA”، وهو الهيئة المفروض أن تكون في مقدمة المتدخلين في مثل هذه الحالات، كما أن التزام السلطات المحلية الصمت في هذه الحالة غير مبرر، لتتعالى الأسئلة بين المواطنين حول الجهة التي تحميهم حين يغيب صوت الدولة، على اعتبار أن الصمت هنا لا يعني الحياد، بل يشجع ضمنيا على استمرار التجاوزات والتمادي فيها.
إن ما يحدث في “كونيفا البساتين” لا يمس فقط مظهر المدينة، بل يضرب في العمق ثقة المواطن في مؤسساتها. فحين يرى الناس قرارات صادرة لا يتم تنفيذها، ومخالفات قائمة لا يعاقب أصحابها، يفقد القانون معناه وتفقد الدولة هيبتها، إذ لا يعقل أن يتوقف مشروع بملايين الدراهم بسبب بضعة محلات ترفض الانصياع للنظام العام وتضع مصالحها فوق الصالح العام.
في هذا السياق، تبدو مسؤولية عامل عمالة مكناس واضحة ومباشرة، لأن التاريخ الإداري للمدينة يؤكد أن المشاريع الكبرى لم تكن تنجح إلا حين تتدخل السلطة الترابية العليا بحزم لإعادة الانضباط وتأكيد الجدية. ومكناس اليوم في حاجة إلى هذا النوع من التدخل الحازم لإعادة الأمور إلى نصابها، وترسيخ فكرة أن القانون فوق الجميع، وأن لا أحد مهما كان موقعه أو نفوذه يملك الحق في تعطيل مرفق عمومي أو عرقلة ورش تنموي يخدم آلاف المواطنين.
لقد آن الأوان لأن تتحرك السلطة الإقليمية وتضع حدا لهذه الفوضى التي تختبئ خلف المصالح الضيقة والتبريرات الواهية، على اعتبار أن المواطن المكناسي الذي تابع انطلاق المشروع بأمل كبير، ينتظر اليوم من عامل عمالة مكناس أن يعيد الثقة في القرار العمومي، وأن يبعث رسالة واضحة تؤكد أن مكناس ليست مدينة بلا قانون، وأن مشاريعها ليست رهينة لمزاج قلة خارجة عن النظام.
إن تدخل عامل عمالة مكناس في هذا الظرف الحساس لم يعد خيارا إداريا، بل أصبح واجبا وطنيا لحماية هيبة الدولة وصون صورتها أمام مواطنيها، لأن استمرار هذه الفوضى يهدد مصداقية القانون ويعرقل مسار التنمية الذي تنتظره المدينة منذ سنوات، وبالتالي عندما تظهر الدولة أنها قادرة على تنفيذ قراراتها بنفس القوة التي تصدرها بها، آنذاك فقط سيحترم المواطن القانون، لأنه سيرى في احترامه التزاما متبادلا بينه وبين الدولة.