مستشفى القرب بوسكورة.. من مرفق صحي إلى بؤرة فضائح وصمت رسمي مريب

تحول مستشفى القرب ببوسكورة، الذي يفترض أن يكون ملاذا صحيا للمواطنين، في السنوات الأخيرة إلى عنوان بارز للارتباك والفضائح، في صورة تعكس حجم الأزمة التي يعيشها القطاع الصحي برمته. فإذا كان المقال السابق تحت عنوان “عبث وتسيب وشبهات.. هل يتدخل الوزير التهراوي لإنهاء فوضى الصحة ببوسكورة” قد تطرق إلى مظاهر سوء التدبير والاحتقان داخل هذه المؤسسة، فإن معطيات جديدة تكشف أن الوضع أكثر تعقيدا وخطورة مما كان متصورا.
فمنذ تعيين المديرة الجديدة قبل أربعة أشهر تقريبا، دخل المستشفى في دوامة من القرارات المثيرة للجدل، حيث جرى إبعاد عدد من الأطر الطبية والتقنية، وتعويضهم بآخرين محسوبين على تيارها النقابي، في خطوة فسرها العاملون بأنها محاولة لإحكام السيطرة على دواليب المؤسسة، وإسكات الأصوات المعارضة، هذا التغيير لم ينعكس على تحسين الخدمات، بل عمق حالة التوتر، وفتح الباب أمام ممارسات مشبوهة تضرب في العمق صورة المستشفى.
الأدهى من ذلك أن بعض الأطر المحسوبة على الإدارة الجديدة ليست لها سيرة مهنية ناصعة، بل سبق أن ارتبطت أسماؤها بملفات قضائية في قضايا رشوة وسوء سلوك، ومع ذلك، وجدت هذه العناصر في الغطاء النقابي حاضنة مثالية لممارسة نفوذها بعيدا عن أي محاسبة. أما على مستوى السلوكيات الأخلاقية، فالوضع أكثر خطورة، إذ تتحدث مصادر من داخل المستشفى عن أطباء لاحقتهم شبهات التحرش بالمتدربات، بل إن بعضهم ضبط في أوضاع مخلة بالآداب داخل المؤسسة نفسها، ورغم مثولهم أمام لجان تأديبية، فإن العقوبات بقيت شكلية، قبل أن يعاد تمكينهم من مناصبهم وكأن شيئا لم يكن.
وعبر مرتفقون من ساكنة بوسكورة في تصريحات متطابقة عن تخوفهم من سلوكيات أحد الأطباء المعروفين بنزواته، معتبرين أن حماية الإدارة له تزيد من شعورهم بعدم الأمان داخل مرفق يفترض أنه فضاء للعلاج والطمأنينة، وفي مقابل هذه الاتهامات المتكررة، تواصل الإدارة التزام الصمت، بل وتعمل، حسب مصادر داخلية، على معاقبة كل من يجرؤ على فضح الاختلالات.
هذا الوضع جعل المؤسسة أقرب إلى “عصابة منظمة”، حسب وصف عدد من المتتبعين، حيث تحكمها الولاءات النقابية والمصالح الضيقة، في غياب أي تدخل من الوزارة الوصية. وهنا يطرح سؤال جوهري، ما سر هذا الصمت الرسمي إزاء ما يجري على بعد كيلومترات قليلة من الرباط؟
المفارقة أن وزير الصحة، أمين التهراوي، لا يفوت فرصة للحديث عن إصلاحاته الكبرى، ويتنقل بين المدن لالتقاط الصور والترويج لإنجازات وزارته، بينما يختار التجاهل أمام فضائح بوسكورة التي لم تعد خافية على أحد، ولعل الجواب هنا يبدو واضحا، بوسكورة لا تصلح للتسويق الإعلامي، وفتح ملفها يعني الاصطدام بلوبيات نافذة تفضل التستر على الفضائح بدل مواجهتها.
الأخطر أن ما يجري بمستشفى القرب بوسكورة ليس سوى مرآة تعكس أزمة أعمق تطال المنظومة الصحية وطنيا. فمثلما شهدت مدن كأكادير ووجدة قرارات وزارية جريئة أعادت ترتيب الأوراق، يبقى السؤال مطروحا، لماذا يستثنى بوسكورة؟ ولماذا تفضل الوزارة دفن رأسها في الرمال بدل مواجهة الواقع، رغم أن رائحة الفضائح تزكم الأنوف؟
اليوم، لم يعد مقبولا الاستمرار في سياسة الصمت، على اعتبار أن الوضع بمستشفى القرب ببوسكورة تجاوز حدود سوء التدبير الإداري، ليبلغ مستوى الانحلال الأخلاقي الذي يهدد سمعة القطاع الصحي في مجمله، وأن التحدي لم يعد مرتبطا بتوفير تجهيزات أو تحسين بنايات، بل بإعادة الاعتبار للقيم المهنية والأخلاقية داخل مؤسسة يفترض أن تكون نموذجا في النزاهة والانضباط.
ويبقى المطلوب اليوم ليس حلولا ترقيعية أو إصلاحات سطحية تطبخ على عجل قبيل زيارات بروتوكولية، بل فتح تحقيق شامل من طرف المفتشية العامة لوزارة الصحة، يستمع لكل الأطراف ويكشف حجم التجاوزات، مع ترتيب الجزاءات المناسبة، وإلا فإن المستشفى سيظل وصمة عار على جبين الوزارة، وشاهدا حيا على أن المواطن البسيط هو آخر ما تفكر فيه الدولة حين يتعلق الأمر بالحق في الصحة.
يتبع..