الدخول السياسي 2025.. هل تنجح الحكومة في آخر امتحان قبل المحاسبة؟

يستقبل المغرب الدخول السياسي لشهر شتنبر 2025 في سياق بالغ الحساسية، حيث تجد الحكومة نفسها أمام امتحان حقيقي وهي على مشارف عامها الأخير، في ظل سنة انتخابية بامتياز ستضع حصيلتها تحت مجهر المحاسبة الشعبية والسياسية مع اقتراب استحقاقات 2026. وإذا كان الدخول السياسي عادة مناسبة لعرض البرامج واستشراف المستقبل، فإن الموسم الحالي يأتي مثقلا بملفات مؤجلة وأخرى مثيرة للجدل، وبانتظارات اجتماعية ضاغطة تكشف أن الزمن لم يعد في صالح الفريق الحكومي.
أولى هذه التحديات تتمثل في مشروع قانون المالية لسنة 2026، الذي سيكون بمثابة الاختبار الأصعب لرئيس الحكومة عزيز أخنوش وأغلبيته. فبين الحاجة إلى ضخ اعتمادات إضافية في قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والتشغيل، وبين إكراهات الحفاظ على التوازنات المالية التي تهددها مستويات العجز والمديونية، تبدو الحكومة في مواجهة معادلة صعبة. وإذا كان خطابها الرسمي يرفع شعار الدولة الاجتماعية، فإن الواقع يكشف ضغوطا متزايدة من بينها التضخم الذي يثقل كاهل القدرة الشرائية، وأسعار محروقات والمواد الغذائية التي لا تكف عن الارتفاع، والبطالة التي تتجاوز 12 في المئة، مع نسب صادمة في صفوف الشباب والنساء.
لكن التحديات المالية ليست سوى جزء من الصورة، على اعتبار أن الأجندة التشريعية الثقيلة ستعود بقوة إلى طاولة النقاش، بدءا من ورش إصلاح مدونة الأسرة الذي يثير انقساما مجتمعيا عميقا بين تيارات محافظة وأخرى ليبرالية، مرورا بملف إصلاح أنظمة التقاعد الذي طال النقاش حوله دون حلول نهائية تضمن العدالة بين الأجيال واستدامة الصناديق، وصولا إلى مشاريع حساسة مثل قانون المسطرة الجنائية والقانون التنظيمي للإضراب، اللذين ظلا عالقين وسط تجاذبات سياسية وحقوقية واسعة.
في المقابل، تظل التوجيهات الملكية الأخيرة بمثابة بوصلة تؤطر ما ينتظر الحكومة، خصوصا ما ورد في خطاب العرش من تشديد على ضرورة تعميم الحماية الاجتماعية، وتأمين الأمن المائي والغذائي، وتسريع إصلاح المنظومتين الصحية والتعليمية. هذه الملفات ليست شعارات بل التزامات ثقيلة، في وقت تشير فيه مؤشرات البطالة ونسب ملء السدود وضعف المحاصيل الزراعية إلى أن التحديات الميدانية ما تزال قائمة وتضغط على حياة المواطنين اليومية. فالمغاربة، كما يؤكد الخبراء، لم يعودوا يقيمون البرامج والخطابات، بل يقيسون أداء الحكومات بمدى تحسن الخدمات في المستشفيات والمدارس والأسواق.
سياسيا، تواجه الأغلبية الحكومية بدورها تحديا داخليا يتمثل في الحفاظ على انسجامها خلال سنتها الأخيرة. فالتجارب السابقة أظهرت أن الائتلافات الحزبية غالبا ما تشهد اضطرابات مع اقتراب الاستحقاقات، حيث يسعى كل مكون إلى إبراز حصيلته ونسب الإنجازات إليه، فيما تلقى الإخفاقات على الحلفاء. وقد بدأت بالفعل بوادر التوتر تظهر بين أطراف التحالف الثلاثي، ما يجعل الحفاظ على الحد الأدنى من الانسجام هدفا صعب المنال في أفق استحقاقات حاسمة ستعيد تشكيل الخريطة السياسية.
ولا يقتصر جدول التحديات على الملفات التقنية والتشريعية، بل يمتد إلى قضايا اجتماعية ضاغطة مثل أزمة الماء وتداعيات التغير المناخي، واستمرار ضعف سوق الشغل، ومطالب النقابات التي رفعت سقف انتظاراتها. وفي قلب كل هذه القضايا يظل سؤال الثقة بين الدولة والمواطن مطروحاً بإلحا وهو هل تستطيع حكومة عزيز أخنوش، التي يصفها البعض بـ”حكومة الملياردير”، استعادة جزء من هذه الثقة عبر إجراءات ملموسة تعزز العدالة الاجتماعية وتُشعر المواطنين بوجود فارق حقيقي في حياتهم اليومية؟ أم أنها ستسجل في الذاكرة السياسية كحكومة الفرص الضائعة في لحظة دقيقة من تاريخ البلاد؟
ما هو مؤكد أن الدخول السياسي لشهر شتنبر 2025 لن يكون عاديا، على اعتبار إنه سيكون اختبارا صعبا لقدرة السلطة التنفيذية على التوفيق بين الحسابات الانتخابية والالتزامات الاجتماعية، بين خطابات الوعود وضغط الأرقام، وبين ما ينتظره الشارع وما تتيحه إمكانيات الدولة. والنتيجة، أيا كانت، ستظل مرتبطة برصيد حكومة أخنوش وهي تعبر منعطفها الأخير قبل انتخابات ستحدد مستقبل المشهد السياسي المغربي لسنوات قادمة.