مكناس المستباحة صحيا.. “فطر” المصحات ينهش كرامة المواطن ويمتص دمه ونواب المدينة في دار غفلون

المستقل | فؤاد السعدي
استكمالا لرحلة التيه التي يعيشها المريض المكناسي، يبرز وجه آخر أكثر قتامة في المشهد الصحي للمدينة؛ وهو التناسل الفوضوي للمصحات الخاصة التي باتت تنبت كالفطر في كل زاوية، لا استجابة لحاجة علاجية ملحة، بل كاستثمارات “عقارية” في ثوب طبي، هدفها الأسمى تحويل الألم إلى حصص لشركات مساهمة لا تعرف للإنسانية طريقا.
هذا التكاثر السريع للمصحات بمكناس يطرح علامات استفهام كبرى حول غياب الرقابة؛ حيث تحولت هذه المؤسسات إلى ثقوب سوداء تفرغ المستشفيات العمومية من كفاءاتها. ففي ظاهرة خطيرة، نجد أطباء وممرضين قادمين من القطاع العام يتركون وراءهم طوابير الفقراء، ليمارسوا مهامهم في هذه المصحات، مما يكرس شللا في المرفق العام مقابل انتفاخ جيوب القطاع الخاص. فأين هي الوزارة الوصية من هذا النزيف الذي جعل المستشفى العمومي مجرد محطة لتوجيه “الزبائن” نحو المصحات؟
وما يثير الصدمة في بورصة الصحة بمكناس، هو خرق مبدأ الشفافية بشكل سافر؛ إذ تعمد أغلب هذه المصحات إلى تفادي تسليم الفواتير التفصيلية للمرتفقين، مكتفية بمنحهم توصيلات مبهمة لا توضح طبيعة الخدمات المقدمة ولا تفاصيل الأسعار المطبقة. هذا التعتيم الممنهج ليس عبثا، بل هو غطاء لعمليات نفخ الفواتير واستنزاف جيوب المواطنين، خاصة أولئك الذين يحاولون الاحتماء بظلال التغطية الصحية، وهو الملف الملغم الذي سنفتحه في مقالنا اللاحق.
أما داخل كواليس هذه “المقاولات”، فحدث ولا حرج عن وضعية الممرضين والإداريين؛ أجور هزيلة لا تحترم الحد الأدنى للكرامة، وعقود عمل مبهمة تضع الأجير تحت رحمة “الباطرونا” الطبية في غياب تام للحماية الاجتماعية. فكيف لمرض أن يجد العناية لدى ممرض منهك نفسيا وماديا، يتم التعامل معه كآلة للإنتاج؟
والمثير للاستغراب والاشمئزاز في آن واحد، هو هذا الصمت المطبق لنواب المدينة البرلمانيين؛ ففي الوقت الذي تستباح فيه كرامة وجيب المواطن المكناسي، يختار ممثلو الدائرة الاختباء خلف شعاراتهم الانتخابية، غاضين الطرف عن أنين المستضعفين في دهاليز هذه المصحات. فهل تعجز حناجر نوابنا عن طرح سؤال كتابي واحد حول “سيبة” القطاع الخاص بمكناس؟ أم أن المصالح تضاربت فخرست الألسن؟
اليوم بات الوضع الصحي بمكناس يتجاوز وصف المزري ليصبح كارثيا؛ بعدما غابت الخبرة وحلت محلها “السمسرة”. فالمصحة الحاصة بمكناس لم تعد فضاء للعلاج، بل غابة الداخل إليها مفقود لماله وكرامته، والخارج منها مولود بقدرة قادر. هي صرخة استغاثة وإنذار أخير على أن جيب المكناسي أصبح مستباحا إلى حين استيقاظ ضمير الرقابة، أو رحيل تجار الأزمات.
.. يتبع