مكناس تُدبّر فاس.. اكتمال مثلث السلطة يُعيد تشكيل واجهة الولاية بعد زلزال الأضحية

لا تزال تداعيات “حادثة ذبح أضحية العيد” داخل مقر ولاية جهة فاس مكناس تُلقي بظلال ثقيلة على المشهد الإداري في الجهة، بعدما تم بشكل رسمي إعفاء الوالي معاد الجامعي من مهامه، في خطوة اعتبرها مراقبون إدارية بقدر ما هي رمزية، بالنظر إلى حساسية الشعيرة التي تُعد من الاختصاصات السيادية للملك، وهو ما جعل حضور والي الجهة في تلك المناسبة محفوفًا بإشارات لم تمرّ دون مساءلة.
وفي خضم هذا الإعفاء، تم تكليف عبد الغني الصبار، عامل عمالة مكناس، بتولي مهام والي جهة فاس مكناس بالنيابة، في انتظار صدور تعيين رسمي من طرف الملك، ما فتح الباب أمام تأويلات أعمق حول طريقة تدبير التعيينات داخل الإدارة الترابية، والحضور المتزايد لطاقم إداري “قادِم من مكناس” نحو مفاصل القرار بولاية فاس مكناس.
فالصدفة، أو لعلها ليست كذلك، جعلت ثلاثة من أبرز وجوه الإدارة الترابية في ولاية فاس مكناس الحالية قادمين من عمالة مكناس، بدءًا من الكاتب العام الحالي للولاية امبارك الحديوي، الذي سبق له شغل نفس المنصب بمكناس، قبل أن يُرقى إلى مهمته الجديدة. وقبله، تم تعيين رئيس قسم الشؤون الداخلية السابق بمكناس في المنصب نفسه على مستوى فاس مكناس المصطفى الشبلي. وها هو عبد الغني الصبار، الرجل القوي بعمالة مكناس، يُستدعى اليوم لتدبير مرحلة دقيقة كوالٍ بالنيابة.
هذه التعيينات المتتالية تطرح أكثر من علامة استفهام حول النمط المتّبع في إعادة تشكيل الإدارة الترابية بمراكز النفوذ الجهوي، وهل يتم الأمر بناءً على الكفاءة والمؤهلات الميدانية، أم أنه يُدار بمنطق “الدوائر المغلقة” التي تُعيد توزيع الأدوار بين مسؤولين مجرّبين في دوائر بعينها، ما يجعل الإدارة الترابية أحيانًا تبدو كأنها تتحرك ضمن “كتل بشرية متناسخة” تنتقل بالجملة من جهة إلى أخرى.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن اختيار الصبار لتدبير مرحلة ما بعد الجامعي ليس اعتباطيًا. فالرجل يُوصف داخل دواليب وزارة الداخلية بـ”الإداري الصلب” وصاحب باع طويل في امتصاص الأزمات الترابية، وسبق له أن واجه ملفات اجتماعية حساسة في مكناس بتوازن محسوب، خاصة في ملفات الأسواق، النسيج الجمعوي، ومراقبة صفقات عمومية مثيرة للجدل. كما يُعرف عنه قربه من شبكات القرار المركزي، ما قد يُسهّل عليه عملية استعادة الانضباط المؤسسي بولاية فاس مكناس، خصوصًا بعد ما خلفته واقعة “الأضحية” من ارتباك في صورة الإدارة أمام الرأي العام.
وفي الوقت الذي ينتظر فيه المتابعون بلاغًا رسمياً يوضح ملابسات الواقعة التي أطاحت بالوالي الجامعي، ما زال الغموض يلفّ حجم تورّط محيطه الإداري في تنظيم المناسبة، وسط تساؤلات حول سبب عدم تدخل أعضاء المجلس العلمي أو مساعدي الوالي من أجل تنبيهه إلى طبيعة الطقس وتبعاته، ما جعل الحدث يبدو أقرب إلى فخ بروتوكولي أو خلل جماعي في تقدير اللحظة الرمزية.
المثير في كل ذلك، أن واقعة بسيطة في ظاهرها، مثل نحر أضحية في مقر رسمي، قد تتحوّل إلى زلزال إداري صامت يُعيد رسم خريطة المسؤولين بين الجهات، ويُبرز أكثر من أي وقت مضى، أن التمثيل الترابي في المغرب لا يقتصر على تنفيذ التعليمات، بل يتطلب فهمًا دقيقًا للرمزية المؤسسية، وحدود الظهور، وسرعة التقدير السياسي قبل البروتوكولي.
وفي انتظار تعيين رسمي لوالي جديد، سيكون على الصبار، القادم من مكناس، أن يُدبّر مرحلة استثنائية، ليس فقط لإعادة ترتيب البيت الداخلي لولاية فاس مكناس، بل لطمأنة الرأي العام بأن السلطة الترابية ما زالت تُمارس بوعي دستوري، لا بمشاهد مرتجلة قد تُكلّف الأسماء مناصبها في رمشة كاميرا.