تقارير “الحسابات” واستغلال “الرعاية السامية” والتحريض الانتخابي يضعون شراكة مهرجان مكناس للدراما التلفزية على سكة الإلغاء

تتجه الأزمة المشتعلة بين مجلس جماعة مكناس وجمعية العرض الحر المنظمة لمهرجان مكناس للدراما التلفزية نحو منعطف خطير قد يضع حدا لمسار تظاهرة عمرت لـ 15 سنة دون أثر يذكر، وذلك بعدما انتقل السجال من مطالبات بالشفافية وحكامة المال العام إلى مواجهة مفتوحة كشفت عن اختلالات هيكلية وإدارية داخل الجمعية، وتطورت إلى تهديدات صريحة وجهتها إدارتها لمنتخبي المجلس.
وتعود شرارة هذه التطورات إلى الدورة الاستثنائية لشهر يوليوز 2026 لمجلس جماعة مكناس، حين مارس المستشار الجماعي الدكتور فريد بواحي دوره الرقابي المكفول قانونا بموجب القانون التنظيمي للجماعات الترابية (113.14)، مطالبا بالاطلاع على التقارير الحسابية وتدقيق مصارف الدعم العمومي السابق قبل البت في أي منح جديدة، ومشيرا إلى خرق مسطري تمثل في غياب النص الكامل لاتفاقية الشراكة المعروضة للتصويت.
وفي مقابل هذا الطرح المؤسساتي الهادئ الداعي إلى ربط المسؤولية بالمحاسبة وتقييم الأثر التنموي والثقافي الحقيقي بعيدا عن الصور والبروتوكولات، جاء رد مدير المهرجان محمود بلحسن متشنجا وغير موفق، حيث زرع التوتر وحول مطالبة مسطرية عادية إلى استهداف شخصي وتحامل وتشهير. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل قام مدير المهرجان بتجنيد أقلام للدفاع عنه مستغلا عدم اطلاعها على حقائق يأبى بواحي الكشف عنها، مع ممارسة العجرفة والتهجم الفج على صحفيين عبروا عن آرائهم بصراحة.
وفي تحد غير مسبوق للمؤسسة المنتخبة، خرجت الكاتبة العامة للجمعية بتدوينة حادة تتهم فيها أعضاء المجلس بـ “العمل في الخفاء مثل الخفافيش لإيقاف المهرجان” والتضحية بمكتسباته السياحية والتكوينية لحسابات انتخابية، داعية ساكنة مكناس علانية إلى عدم التصويت على هؤلاء المنتخبين، ومحملة إياهم مسؤولية تفريط سابق في مهرجان المسرح الذي هاجر إلى تطوان، وهي المقارنة التي اعتبرها هؤلاء غير موضوعية، لكون مهرجان المسرح يتطلب مجهودا كبيرا بخلاف مهرجان الدراما الذي يفتقر لأي مجهود يذكر، ليتحول منطق الجمعية إلى معادلة “إما منح الدعم وإما التشهير والدعوة لعدم التصويت”.
وما يزيد الوضع خطورة ويطرح علامات استفهام كبرى حول شرعية التمثيلية داخل الجمعية، هو ما كشفت عنه مصادر مطلعة ومعطيات متقاطعة بشأن بنيتها التنظيمية المغلقة، حيث تفيد المعطيات بأن الجمعية المنظمة أضحت تدار وتختزل في ثلاثة أعضاء فقط وهم، المدير (الرئيس)، وقريبته (أمينة المال)، والكاتبة العامة. والأكثر من ذلك، تؤكد المصادر ذاتها أن المكتب جرى تجديده واختزال أعداد أعضائه وعقده مباشرة بعد الحصول على الرعاية السامية، مع تمديد ولايته إلى خمس سنوات في رغبة صريحة للسيطرة المطلقة على الجمعية والتحكم في مقدراتها المالية.
وفي تطور ناري جديد زاد من حشر إدارة المهرجان في الزاوية، دخل زكرياء بقدير، نائب رئيس مجلس جماعة مكناس، على خط الأزمة عبر تدوينة قوية انتقد فيها الردود الانفعالية لمن ينطبق عليهم مثل “ملكي أكثر من الملك”. وتفاءل بقدير باستفسارات المستشار بواحي متسائلا عن سبب هذا الانزعاج غير المبرر، مؤكدا أن الاستمرارية لـ 15 سنة “ليست دليل نجاح وحدها” ما لم تقترن بمسؤولية أكبر وهيكلة حقيقية.
وأضاف بقدير في تدوينته أن “سؤال الحصيلة لا يجب أن يفهم أنه مفرزة للتضييق أو محاكمة تجربة، بل لحظة حاسمة للجهة المعنية للاحتفاء بالإنجازات وضبط ما لم ينجز”، مشددا على أن طرح سؤال الحكامة من طرف منتخب يمارس حقا يفرضه القانون، كان يجب أن يتم التقاطه بروح رياضية وكهدية تسمح للجمعية بطرح تصورها للحكامة واقعا لا تنظيرا، وفرصة ذهبية لإطلاق ورش تطويري يجعل من المهرجان رافعة تنموية حقيقية للمدينة.
وتتقاطع هذه الملاحظات الرقابية داخل المجلس مع التوصيات الصارمة الصادرة في التقارير الأخيرة للمجلس الأعلى للحسابات، والتي شددت على منع ضخ الدعم العمومي للجمعيات التي تفتقر للديمقراطية الداخلية، أو التي يتم إدارتها بآليات تكرس تضارب المصالح عبر إقحام الأزواج والأقارب في الأجهزة المالية والإدارية، مع إلزامية الإفصاح المالي الشامل تحت طائلة الإلغاء.
كما يسقط هذا الطرح المؤسساتي محاولات إدارة الجمعية الاختباء خلف ورقة الرعاية السامية لاتخاذها درعا يمنع المساءلة أو يشرعن التهرب من التدقيق، فالرعاية الملكية شرف ينشد التميز والشفافية والحكامة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تستغل كغطاء لتجاوز القوانين المنظمة لتدبير المال العام.
ويضع هذا الانزلاق المباشر للكاتبة العامة، عبر تحريض الساكنة ضد منتخبي المجلس، الجمعية في مواجهة مسطرة المتابعة القانونية وفقدان شرط الحياد، عندما تحولت من فاعل مدني إلى طرف في صراع سياسي وانتخابي مباشر، مما يمنح المجلس الجماعي السند القانوني والأخلاقي لإلغاء أي شراكة مستقبلا، قطعا لأساليب الابتزاز والضغط الانتخابي.
وعلى المستوى الفني والميداني، يأتي هذا الغضب المؤسساتي ليعكس امتعاضا ثقفيا واجتماعيا تراكم على مدى 15 سنة في مكناس، حيث ظل المهرجان معزولا عن أبناء المدينة وفنانيها الشباب، ومقتصرا على استضافة الوجوه التلفزيونية في الفنادق المصنفة لالتقاط الصور والبروتوكولات دون تقديم ورشات تكوينية حقيقية أو إحداث أثر تنموي وفني ملموس على أرض الواقع.
أمام هذه المستجدات الخطيرة التي كشفت عن ضيق بالمساءلة الترابية ورغبة في حماية الريع والمنح البروتوكولية، يقف مهرجان مكناس للدراما التلفزية على سكة التوقف، في ظل إصرار المستشار الدكتور فريد بواحي ومكونات المجلس على الوقوف أمام المرآة بشجاعة، وتأكيد أن المال العام هو استثمار ملك لجميع المكناسيين وليس وسيلة لتأمين استمرارية موعد سنوي تحكمه عائلة وتغيب عنه النتائج القابلة للقياس.