زلزال “الأوراق الإنتخابية” بطنجة.. فرار الليموري ومذكرة بحث دولية تطوق القيادة الوطنية لـ “البام”

بقلم | فؤاد السعدي

 

تجاوزت الفضيحة الانتخابية المضبوطة داخل مدرسة “القدس” بمنطقة كسبراطا تراب مقاطعة السواني بطنجة حدود النوازل المحلية لتتحول إلى أزمة سياسية بآبعاد وطنية صريحة، عقب تفعيل النيابة العامة المختصة لمذكرة بحث دولية في حق منير الليموري إثر فراره خارج البلاد. هذا التطور القضائي لم يكتف بتهديد المقعد البرلماني المثار حوله النزاع بدائرة طنجة المدينة، بل وضع الهيكل القيادي لحزب الأصالة والمعاصرة برمته أمام ارتدادات مباشرة تطول تموقعه التنظيمي ومستقبل مشاركته الحكومية.

وتعكس قراءة أبعاد هذه القضية حجم التداخل بين الممارسة الانتخابية وتدبير النفوذ الحزبي، حيث لا يمكن اختزال موقع الليموري في مجرد تمثيل جماعي، بل يكمن ثقل الملف في صفته التنظيمية كقيادي من الصف الأول، وأمين إقليمي، ومدير للحملة الانتخابية للمرشح الفائز، فضلا عن ترؤسه للجمعية المغربية لرؤساء مجالس الجماعات. ومن هذا المنطلق، يسقط الطرح الذي يحاول تحجيم الواقعة في قالب سلوك فردي حيث أن اختزال القضية في الصفة الجماعية لليموري كعمدة يمثل تضليلا إعلاميا وسردية تبسيطية تحاول تقديم الفاعل ككبش فداء لعزل الفساد الانتخابي عن بنيته التنظيمية ومهندسي حملته، لتتكشف ملامح بنية تنظيمية رافقت إدارة العملية الانتخابية بالمدينة واستغلت مواقع القرار لترسيخ الهيمنة السياسية.

وفي هذا السياق، يأتي البلاغ التوضيحي الذي سارعت القيادة الجماعية للحزب إلى إصداره، والذي وصفت فيه الحادث بـ “المؤامرة المحبوكة”، ليعمق حرج الحزب على المستوى الوطني. وتفكيك هذا الخطاب السياسي يظهر حالة من الارتباك والتسرع التنظيمي، بحيث تحول بلاغ النفي الاستباقي للقيادة الجماعية لـ “البام” من أداة امتصاص للصدمة إلى وثيقة تورط سياسي وسقوط أخلاقي، عقب لجوء الحزب لأدبيات المظلومية والإنكار وتكذيبه الميداني بصدور الملاحقة الدولية وتأكد الفرار. فقد سعى البيان إلى استباق نتائج التحقيقات الرسمية، غير أن تحول المعطيات الميدانية إلى ملاحقة قضائية دولية أحال ذلك التستر الاستباقي إلى مصدر حرج تنظيمي يظهر العجز عن ممارسة الرقابة الأخلاقية والشفافية الداخلية.

وتصطدم هذه التطورات مباشرة مع الشعارات التنظيمية المرفوعة، حيث تفضح هذه القضية عجز ميثاق الأخلاقيات وصيغة “القيادة الثلاثية” لـ “البام” عن إنتاج قطيعة حقيقية مع شبكات المصالح النافذة، واقتصار رد فعلها على بيانات التبرير التائهة. وبالتالي لا يتوقف تجرع تبعات هذه الفضيحة عند فقدان مقعد برلماني مرتقب، بل يتعداه إلى ضرب المصداقية الأخلاقية للحزب وتآكل رصيده في مفاوضات التوازنات السياسية والحكومية المقبلة، خصوصا في ظل استمرار تراكم الملفات الشائكة المقترنة بتدبير الجماعات الترابية.

وفي المقابل، يمثل التعاطي الصارم للأجهزة الأمنية والقضائية عبر المداهمات وتفعيل الملاحقة الدولية رسالة مؤسساتية صريحة، حيث يعكس صدور مذكرة البحث الدولية تحولا استراتيجيا في عقيدة العدالة، مؤكدا أن الحصانة الواقعية والقبعات الحزبية لن توفر حماية لمهندسي الخرائط الانتخابية وأن القضاء حازم في حماية السيادة الانتخابية للبلاد. ويبعث هذا الحزم القضائي برسائل واضحة مفادها أن صيانة نزاهة صندوق الاقتراع وصيانة إرادة الناخبين يعلوان على أي حسابات تنظيمية، واضعا الأحزاب الوطنية أمام مسؤولية حتمية لتطهير بيتها الداخلي.

ولعل الخطر الأكبر في هذه القضية لا يتوقف عند حدود التوقيفات ولا حتى الملاحقة الدولية، بل يمتد إلى طبيعة الأوراق المضبوطة التي أحدثت الذهول في الأوساط المتابعة، حيث تكشف المعطيات المتداولة أن التحقيقات لم تعد محصورة في شبهة التزوير والتزييف، بل تتجه مباشرة نحو فرضية نارية مفادها أن الأوراق المحجوزة أصلية وليست مستنسخة، وهو ما قد يخرج الملف من نطاق الخرق الفردي إلى مستوى الجريمة المنظمة ضد نزاهة الصندوق. وبالتالي تضع هذه القرائن الثقيلة القضية أمام تعقيدات غير مسبوقة، بحيث أن ثبوت صحة وأصالة تلك الوثائق الرسمية يستتبع بالضرورة وجود عملية معقدة جرت خارج المساطر الإدارية والرقابية المعتادة.

كما تضع هذه المعطيات المركبة المقعد النيابي لحزب الأصالة والمعاصرة بدائرة طنجة المدينة في مواجهة مباشرة مع خطر الإلغاء بقرار مرتقب من المحكمة الدستورية، حيث بات سقوط المقعد النيابي بدائرة طنجة المدينة حتمية دستورية مرتقبة، اتساقا مع القضاء القار للمحكمة الدستورية بإسقاط النتائج كلما ثبت شوب العملية الانتخابية بتدليس وخروقات جسيمة تمس بنزاهة الصندوق.

ومع استمرار التحريات الدقيقة وتسلل التسريبات بشأن هذا المخطط، تتداعى أسئلة حارقة تتجاوز الأشخاص المعتقلين ونقاط التفتيش، بمعنى إذا أثبتت التحقيقات القضائية رسميا أن الوثائق المحجوزة أوراق انتخابية أصلية صدرت عن المطبعة الرسمية، فمن أين خرجت هذه الأوراق بالأساس؟ وما هي الجهة التي كانت تملك سلطة الوصاية والعهدة عليها وسربتها بعيدا عن مسارها الإداري والقانوني المحصن؟ وأين تم انجاز عمليات التأشير والتصويت المبكر لصالح حزب الأصالة والمعاصرة قبل محاولة شحن الصناديق بها؟ والأهم من ذلك كله هو إلى أي حد يمتد الخيط الناظم لهذه الشبكة، وهل ستتوقف سكاكين التحقيق عند أطراف المشهد في طنجة، أم إن القضاء يتجه لنبش جذور الجهات النافذة التي هيأت البيئة ويسرت تسريب الوثائق الرسمية للدولة للعبث بإرادة الناخبين؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *