من جلب الأضحية؟ ومن سكت؟ “نحر العيد” يعرّي هشاشة البروتوكول داخل الإدارة الترابية

مرة أخرى، تجد الإدارة الترابية نفسها في قلب عاصفة الرأي العام، بعد تداول واسع لمقاطع مصوّرة تُظهر عملية نحر أضحية العيد من قبل والي جهة مراكش آسفي فريد شوراق، ووالي جهة فاس مكناس، وهي المشاهد التي أثارت موجة من التعليقات الغاضبة على مواقع التواصل الاجتماعي، بسبب ما اعتبره كثيرون “تجاوزًا صريحًا لاختصاص يظل محفوظًا حصريًا لشخص جلالة الملك”.

فرغم أن شعيرة نحر الأضحية نيابة عن الأمة المغربية، جرى تقليديًا عبر طقس سيادي يقوده الملك بصفته أميرا للمؤمنين، أو يُفوض إلى إمام معين في غيابه كما حدث هذا العام بعد إعلانه إلغاء هذه الشعيرة، إلا أن ظهور بعض الولاة في مشهد النحر أعاد إلى السطح سؤال فهم الحدود البروتوكولية داخل الإدارة الترابية، وأين تنتهي مسؤولية التمثيل وتنطلق حدود الاختصاص الرمزي السيادي.

في حالة فريد شوراق، تؤكد مصادر متطابقة، وحتى الفيديو المتداول نفسه، أنه لم ينحر الخروف شخصيًا، بل كان الإمام، الذي ألقى خطبة العيد وأمّ المصلين، هو من قام بالفعل. غير أن ذلك لم يمنع الصدمة الجماعية، ولا تجنّبه الإعفاء، في تطور يطرح بدوره سؤالًا ثقيلًا فيما إن أخطأ الوالي عن وعي، أم زُج به في مشهد لم يتحكم في تفاصيله؟

بعيدًا عن اللقطات المتداولة، يجرّنا الحدث إلى تفكيك المسؤوليات غير المرئية داخل محيط رجل السلطة الأول في الجهة، وما إن كانت العاملة حنان الرياحي، التي تم تعيينها حديثًا على رأس قسم الشؤون الداخلية بولاية مراكش آسفي، على علم بما جرى؟ وأين كان مدير ديوان الوالي، الذي عادة ما يُشرف على أدق تفصيل من تفاصيل البروتوكول الرسمي؟ وهل كان مستشارو البروتوكول في سبات إداري؟

الأدهى، أن الأضحية نُقلت إلى المصلى على متن سيارة الوقاية المدنية، في تحرك رمزي لا يمكن أن يمرّ دون تدقيق، وبالتالي من أمر بجلبها؟ ومن اقتناها؟ وهل تم التنسيق مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية؟ ثم، وهذا هو  السؤال الأهم، لماذا لم يتدخل رئيس المجلس العلمي المحلي للتنبيه إلى حساسية الأمر؟ وهو الحاضر أثناء المشهد، والمفترض أن يكون أول من يدرك رمزية هذا الطقس في السياق الدستوري المغربي.

ويبقى السؤال الأعمق اليوم ليس فقط، من نحَر؟ بل من سمح بهذا النحر أن يحدث أصلاً؟ وهل هناك خلل في تدبير البروتوكولات ذات الحمولة الرمزية والدينية العميقة، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون سوء تقدير كارثي في لحظة كان يجب فيها أقصى درجات الانضباط الرمزي؟

ما يجعل القضية أكثر تعقيدًا هو أن فريد شوراق لم يكن واليًا مستجَدًّا في دواليب الداخلية، بل أحد رجال الإدارة الترابية المخضرمين، المعروفين بالكفاءة والصرامة، الأمر الذي يفتح بابًا آخر للتكهنات فيما إن كان على دراية مسبقة بكل تفاصيل المشهد؟ أم أن جهات داخلية ورّطته عمداً، سواء من داخل محيطه الإداري، أو من دوائر أخرى قد تستفيد من سقوطه السياسي؟

هذه الأسئلة لا تهم فقط سكان مراكش أو فاس، بل تُعيد توجيه النقاش إلى مستوى أعلى يتعلق بكيفية تحصين رمزية المؤسسة الملكية من الاجتهادات الفردية أو الزلات الإدارية، خاصة في ظل حساسية الشعائر الدينية وما تحمله من رمزية سيادية في الدستور المغربي.

المفارقة أن الحادث جاء في وقت باتت فيه وزارة الداخلية تُقدّم نفسها كرمز للانضباط المؤسساتي، فإذا بـ”هفوة بروتوكولية” واحدة تُفجّر النقاش، وتهز الثقة في قدرة رجال السلطة على التمييز بين ما يُمثَّل وما لا يُمس.

هي قصة خروف، نعم، لكنها أيضًا قصة حدود. قصة إدراك، وقصة من يعرف متى يتقدم، ومتى يتراجع. وفي هذه القصة بالذات، ما زالت فصول المسؤولية موزعة بين من صمت، ومن لم يُبلّغ، ومن نحر، حتى وإن لم يكن هو من أمسك السكين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *