جدل بالمغرب حول تصوير رجال السلطة.. بين الحق في التوثيق وقيود القانون

أعادت قضية تصوير الموظفين العموميين أثناء مزاولتهم لمهامهم الجدل إلى الواجهة، بعد الحادثة التي أثارت الرأي العام المغربي مؤخرًا، والتي عُرفت إعلاميًا بـ”واقعة صفع قائد تمارة”. انتشر الفيديو بسرعة على منصات التواصل الاجتماعي، ما فتح نقاشًا واسعًا حول الحدود القانونية والأخلاقية لتوثيق تدخلات رجال السلطة في الفضاء العام، ومدى أحقية المواطن في تسجيل ما يراه تجاوزًا في أداء المهام الرسمية.

بدأت القصة عندما قامت سيدة بصفع رجل سلطة برتبة قائد أمام مقر الملحقة الإدارية السابعة بمدينة تمارة، وذلك بعد منعه إياها من تصوير مشادّة بين شقيق زوجها، الذي يعمل بائعًا متجولًا، وعناصر من القوات المساعدة إثر مصادرة بضاعته. أثار هذا الفعل ردود فعل متباينة، حيث اعتبر البعض أنه اعتداء صارخ على رجل سلطة أثناء أداء مهامه، بينما رأى آخرون أنه رد فعل لحظي على ما وصفته المعنية بالأمر بأنه ظلم تعرض له قريبها.

القوانين المغربية تطرح مقاربة مزدوجة لهذه القضية، حيث ينص الفصل 447-1 من القانون الجنائي على عقوبة بالسجن من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، وغرامة مالية لكل من التقط أو سجل أو بث أو وزع صورًا أو أقوالًا دون موافقة صاحبها إذا كانت تمس بحياته الخاصة أو كرامته. في المقابل، يشدد الفصل 263 من القانون نفسه على معاقبة كل من أهان موظفًا عموميًا أثناء قيامه بمهامه بالسجن من شهر إلى سنة، وغرامة مالية، مما يجعل تفسير القوانين في مثل هذه الحالات مفتوحًا للتأويل، إذ يمكن للسلطات اعتبار التصوير انتهاكًا أو إهانة، في حين يراه المواطنون وسيلة لضمان الشفافية وكشف التجاوزات.

الجدل حول الواقعة تجاوز الأبعاد القانونية، حيث يرى البعض أن منع التصوير ليس سوى محاولة للتستر على ممارسات قد لا تكون دائمًا منضبطة للقانون، فيما يعتبر آخرون أن تصوير رجال السلطة أثناء أداء مهامهم قد يشكل انتهاكًا للخصوصية، أو يؤدي إلى إخراج الوقائع عن سياقها الحقيقي. ومع انتشار التكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي، بات التوثيق في الفضاء العام سلاحًا ذا حدين، إذ يمكن أن يكون أداة لكشف التجاوزات، لكنه قد يتحول أيضًا إلى وسيلة للتشهير والإضرار بالموظفين العموميين.

لم تعد هذه الواقعة مجرد حادثة معزولة، بل تحولت إلى قضية رأي عام قد تؤثر على النقاش الدائر حول العلاقة بين المواطن والسلطة في الفضاء العام. وبينما يترقب الجميع مسار المحاكمة، تظل التساؤلات مطروحة حول الحاجة إلى تأطير قانوني أكثر وضوحًا يحدد حق المواطنين في تصوير الموظفين العموميين أثناء أداء واجبهم، حتى لا تبقى هذه الممارسات خاضعة لاجتهاد القضاء وفق كل حالة على حدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *