دراسة.. المغرب يستورد غذاءه رغم موارده الضخمة وسياسات الصيد تفاقم العوز والتدمير البيئي

أكدت جمعية “أطاك” أن المغرب لا يحقق الاكتفاء الذاتي في المواد الغذائية الأساسية التي يعتمد عليها سكانه، حيث استورد كميات كبيرة من الحبوب مثل الشعير والذرة والقمح الطري والصلب، مما أدى إلى تفاقم العجز في الميزان التجاري الغذائي. وسجلت الجمعية أن الصادرات الفلاحية، التي تتركز على الحوامض والطماطم، لم تغطِّ سوى أقل من 50% من الواردات الفلاحية، وهو ما يعكس تبعية غذائية متزايدة في ظل توسع الاستثمارات الرأسمالية في الزراعات التصديرية بالمحاور السقوية الكبرى.

وشددت الجمعية، في دراسة حديثة بعنوان “الصيد البحري في المغرب: ثروة مهدورة”، على أن التبعية الغذائية في القطاع الفلاحي ترتبط بعدم كفاية الإنتاج المحلي لتلبية حاجيات السكان، لكن الوضع كان مختلفًا تمامًا في قطاع الصيد البحري، حيث لم تعانِ البلاد من نقص في الموارد السمكية، بل حققت فائضًا كبيرًا يفوق الاستهلاك المحلي بأضعاف. ورغم ذلك، ساد العوز الغذائي بين شريحة واسعة من السكان، في مفارقة غريبة، بسبب توجه سياسة الصيد البحري نحو التصدير الكثيف، مما حرم السكان المحليين من الاستفادة من هذه الثروة الطبيعية. وأوضحت الدراسة أن السمك، بدلًا من أن يكون موردًا غذائيًا مشتركًا بين الصيادين والبحارة والمستهلكين المغاربة، تحول إلى سلعة موجهة أساسًا إلى الأسواق الخارجية، ما جعل قطاع الصيد البحري الأكثر تصديرًا مقارنة بأي مورد غذائي آخر.

وأبرزت الجمعية أن الحاجة باتت ملحة لوضع حصيلة إجمالية لهذه السياسة من منظور السيادة الغذائية، والحفاظ على البيئة البحرية، والتوزيع العادل لمداخيل الموارد السمكية. وأكدت الدراسة أن السياسة الحالية للصيد البحري شكلت عائقًا كبيرًا أمام استفادة الأغلبية الساحقة من المغاربة من ثرواتهم البحرية، حيث انعكست سلبًا على أوضاع البحارة، وأثرت بشكل خطير على البيئة البحرية، وساهمت في تفاقم التفاوت الغذائي. وكشفت الاستجوابات داخل الموانئ حول أحوال البحارة، من حيث ظروف الإبحار، والمداخيل، والمحاصيل، وأنواع السمك المصطاد، والتسويق، عن سيطرة الصناعة التصديرية على محاصيل الصيد الساحلي، خاصة السردين. ولم تكتفِ هذه الصناعة بفرض أسعار متدنية جدًا على إمدادات المادة الأولية، بل وقفت وراء استنزاف مخزونات العديد من الأنواع السمكية.

ولفتت الجمعية إلى أن سياسة الصيد البحري استهدفت تحفيز التصدير الكثيف للموارد السمكية، حيث خدمت المصالح الاجتماعية للمصدرين، وسعت منذ عقود إلى إرساء نظام لسلب وإهدار الأغذية السمكية، مما تسبب في مفاقمة توزيع غير عادل للثروات البحرية. وفي ظل الفيض الهائل من الغذاء السمكي المصدر، ظل العوز الغذائي الأشد وقعًا في أوساط شرائح واسعة من السكان. وحذرت الدراسة من أن الصيد المفرط والمستنزف للمخزونات السمكية، كأحد الأوجه الملازمة لسياسة التصدير المكثف، فاقم الأزمة البيئية البحرية، إلى جانب عواقب الاحترار المناخي الذي أدى إلى ارتفاع حرارة البحار والمحيطات، وضغط على التوازنات الفيزيائية والكيميائية للأنظمة البيئية البحرية التي ترتهن بها حياة الكائنات البحرية. وأسهم أيضًا رمي النفايات السائلة الناتجة عن النشاط الزراعي الكثيف والمعامل الصناعية في المياه البحرية، في تدمير المنظومات البيئية للسواحل المغربية.

ونبهت الدراسة إلى أن العوامل الثلاثة مجتمعة كانت مسؤولة عن الأزمة البيئية البحرية، التي ظهرت عواقبها في تهديد المخزونات السمكية والتنوع الإحيائي البحري بمجمله. وأدى استنزاف المصايد إلى انهيار مخزونات الرخويات، وهو الآن بصدد تهديد مخزونات الأسماك السطحية الصغيرة نفسها، التي شكلت دائمًا الحصة الأكبر ضمن المحاصيل المصطادة. وخلصت الدراسة إلى أن برنامج “أليوتيس” رفع وتيرة سياسة نهب وسلب الغذاء السمكي، وأضر بالبيئة البحرية، حيث تبنى استراتيجية لتنمية تربية الأحياء البحرية، التي مثلت تهديدًا إضافيًا مباشرًا للبيئة البحرية بالسواحل المغربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *