تعسف أمني بمكناس.. هل هذه هي “الشرطة المواطنة” التي وعد بها الحموشي؟

المستقل | مكناس
في مشهد صادم يعيد إلى الواجهة سؤال مدى التزام بعض رجال الأمن بضوابط القانون والتوجيهات المركزية، شهدت مدينة مكناس واقعة مثيرة للجدل، حيث أقدم مقدم شرطة على سحب رخصة سياقة سائق حافلة دون أي سند قانوني، قبل أن يتم احتجازه بأسلوب مهين، وكأنه مجرم خطر. هذه الحادثة، التي تتناقض مع مبادئ المهنية واحترام حقوق المواطنين، تثير تساؤلات عميقة حول استمرار بعض الممارسات السلطوية داخل الأجهزة الأمنية، رغم كل الخطابات الرسمية الداعية إلى الحكامة الأمنية والانضباط للقانون.
تعود تفاصيل الواقعة إلى قيام مقدم شرطة بولاية أمن مكناس بتحرير مخالفة ضد سائق حافلة على خلفية “حمل ركاب خارج المحطة الطرقية”، رغم أن الحافلة موضوع التوقيف تتوفر على رخصة قانونية من الدرجة الثانية، تخول لها ممارسة هذا الحق بشرط احترام مسافة 500 متر عن المحطة الطرقية، غير أنه ورغم وضوح هذا المعطى بالنص القانوني ومشار إليه صراحة برخصة المأذونية نفسها، أصر المقدم على قراره، متجاهلًا كل محاولات السائق توضيح الأمر، والأدهى من ذلك، أن سيارات النقل المزدوج كانت تحمل الركاب بنفس المكان وأمام أعين الشرطي، دون أن يُحرّك ساكنًا، وهو ما يطرح تساؤلات حول معايير تطبيق القانون وانتقائيته، ويكشف التجاوز الصارخ للسلطة وتعطيلها لمصالح المواطنين بلا سند قانوني.
الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل تطور بشكل مقلق عندما وصل صاحب الحافلة إلى المكان الواقعة محاولًا توضيح الموقف لمقدم الشرطة، الذي لم يظهر أي استعداد للاستماع إلى تفسيره، بل على العكس من ذلك قام بربط الإتصال بالدائرة الامنية ليقع ما لم يكن في الحسبان، حيث قام ضابط الشرطة الذي حل بعين المكان باعتقال السائق المهني بشكل غير مبرر، وتكبيل يديه بطريقة مهينة، واقتياده في سيارة الشرطة أمام أعين المارة في مشهد يحمل في طياته كل أشكال القهر والإهانة، وهو تصرف يعكس مستوى الاستهتار الصارخ بحقوق المواطنين، ويطرح تساؤلات كبيرة حول معايير التعامل معهم ومدى احترام حقوقهم الأساسية، خصوصًا في ظل وجود نصوص قانونية واضحة تمنح السائق الحق في التصرف وفق الضوابط المحددة.
الأدهى من ذلك، أن صاحب الحافلة نفسه لم يسلم من هذه التصرفات، حيث تعرض هو كذلك لعملية تنقيط وتحقيق دون أي سند قانوني، الأمر الذي اعتبر محاولة مكشوفة للضغط عليه وإسكاته، وعند وصوله إلى مقر الدائرة الأمنية، فوجئ بطرح أسئلة بعيدة عن موضوع الواقعة، وكأن القضية قد تحولت من تطبيق القانون إلى تصفية حسابات شخصية مع صاحب الحافلة الذي احتج على الطريقة المهينة التي تم بها اقتياد السائق، مما يزيد من تعقيد الموقف ويطرح تساؤلات حول الهدف الحقيقي من هذه الممارسات.
ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه اليوم بإلحاح شديد فيما إن كانت هذه التصرفات تعكس فعلاً سياسة المديرية العامة للأمن الوطني؟ وكيف يمكن تبرير هذا التعسف الصريح الذي يعيد إلى الأذهان ممارسات كانت قد اختفت منذ زمن بعيد؟ ففي الوقت الذي يتحدث المدير العام للمديرية العامة للامن الوطني عبد اللطيف حموشي في مناسبات عديدة عن “الشرطة المواطنة” التي تكرس احترام حقوق المواطنين، تظل هذه الواقعة خير دليل على أن هناك فجوة كبيرة بين القول والعمل، وأن مفهوم الشرطة المواطنة لم يُترجم بعد على أرض الواقع.
إن ما وقع بمدينة مكناس لا يمكن اعتباره مجرد حادث عابر، بل هو مؤشر على استمرار بعض الممارسات التي لا تتماشى مع تطلعات المواطنين، خصوصا مع استمرار هذا النوع من التصرفات دون تدخل من الجهات المعنية، الأمر الذي سينعكس سلبا على صورة جهاز الأمن، ويضعف الثقة في قدرة المديرية العامة للأمن الوطني على ضمان حقوق المواطنين وحمايتها، ويتناقض تمامًا مع المبادئ التي يجب أن يقوم عليها جهاز الأمن بشكل عام.
اليوم المدير العام عبد اللطيف حموشي مطالب باتخاذ خطوات فورية وحاسمة، فكرامة المواطنين ليست أمرًا يمكن التلاعب به أو المساومة عليه، فمهنة الشرطي يجب أن تكون في خدمة القانون، وليس في استخدام السلطة للإذلال دون رقابة أو محاسبة، كما أن والي أمن مكناس مدعو لتقديم توضيحات عاجلة بخصوص هذه الواقعة، لأن ما حدث لا يمكن تبريره كخطأ فردي بسيط، بل هو تعدٍ واضح على حقوق المواطنين وحريتهم، وبالتالي إذا لم يتم فرض محاسبة حقيقية، فإننا سنظل نكرر نفس الأخطاء، ويظل المواطن الحلقة الأضعف في مواجهة معادلة غير متوازنة بين القوة والسلطة.