قضاة وأكاديميون يناقشون من طنجة مشروع قانون المسطرة المدنية: بين التحديث والجدل القانوني

المستقل | طنجة

في ظل الدينامية التشريعية التي يشهدها المغرب، احتضنت كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، يوم الخميس 6 فبراير الجاري، ندوة علمية تحت عنوان “مشروع قانون المسطرة المدنية: قراءة تحليلية وتقييمية”، بمشاركة نخبة من القضاة والأكاديميين والممارسين القانونيين من مختلف أنحاء المملكة، وقد شكلت هذه الندوة فرصة لمناقشة مستجدات المشروع وأبعاده القانونية، خاصة في ما يتعلق بتسريع وتيرة التقاضي وتحقيق عدالة ناجعة ومتطورة.

هذا وافتتحت الندوة الأستاذة وداد العيدوني، أستاذة التعليم العالي ومنسقة ماستر “المهن القانونية والقضائية والتحولات الاقتصادية والرقمية”، حيث أكدت في كلمتها أن مشروع قانون المسطرة المدنية يمثل مرحلة جديدة في تحديث المنظومة القضائية، ليواكب التحولات الاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة، كما شددت على ضرورة أن يكون هذا التحديث متوازنًا بين تبسيط الإجراءات وضمان حقوق المتقاضين، خصوصًا في ظل التوجه المتزايد نحو الرقمنة واعتماد التقاضي الإلكتروني.

في نفس السياق، تناول الأستاذ محمد الملجاوي، الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف التجارية، أحد أبرز المستجدات التي أتى بها مشروع القانون، والمتعلقة بتوسيع اختصاصات رئيس المحكمة، خصوصًا في القضايا الاستعجالية، وفقًا لما نصت عليه المادة 149، وأوضح أن هذه التعديلات قد تثير تحديات على مستوى التطبيق، على اعتبار أن القضاة قد يجدون أنفسهم أمام إشكالات تفسيرية تستوجب اجتهادًا قضائيًا دقيقًا، تفاديًا لأي تأويلات قد تمس بمبادئ المحاكمة العادلة.

من جهته، ناقش الأستاذ يونس المراكشي، رئيس كتابة الضبط بالمحكمة الابتدائية بالرباط، دور كتابة الضبط في تحسين الزمن القضائي، معتبرًا أن الرقمنة قد تكون السلاح ذو الحدين، فمن جهة، قد تساهم في تسريع الإجراءات وتخفيف العبء على المحاكم، لكن من جهة أخرى، قد تواجه عقبات تتعلق بتأهيل الموارد البشرية وملاءمة النظام القانوني مع هذه التغييرات التكنولوجية، كما أشار إلى ضرورة تحقيق توازن بين السرعة في البت في القضايا وضمان جودة الأحكام القضائية.

بدورها، تطرقت الأستاذة خديجة جنان، المحامية وعضوة مجلس هيئة المحامين بطنجة، إلى تأثير التعديلات الجديدة على حقوق الدفاع واستقلالية مهنة المحاماة، مع تأكيدها على أن بعض المقتضيات المتعلقة بآجال التقاضي والرقمنة قد تؤثر على ممارسة المحامي لدوره الأساسي في الدفاع عن موكليه، مشددة على أن تسريع الإجراءات يجب ألا يكون على حساب الضمانات القانونية التي تحمي حقوق المتقاضين.

أما الدكتور عبد الرحمان الشرقاوي، أستاذ جامعي بكلية الحقوق السويسي بالرباط، فقد قدم قراءة أكاديمية لمضامين مشروع القانون، مؤكدًا أن أي تعديل في قانون المسطرة المدنية يجب أن يراعي خصوصيات المجتمع المغربي، ويأخذ بعين الاعتبار التطورات الاقتصادية والاجتماعية، مضيفا أن المشروع يمثل نقلة نوعية في مسار إصلاح القضاء، لكنه بحاجة إلى مزيد من التدقيق والمراجعة لضمان تحقيق التوازن بين سرعة التقاضي وجودة الأحكام.

في ختام الندوة، أجمع المشاركون على أن مشروع قانون المسطرة المدنية 02.23 خطوة مهمة في تحديث القضاء، لكنه يطرح عدة تساؤلات حول آليات تطبيقه وتأثيره على سير العدالة، وهو ما جعل أبرز التوصيات تتمحور حول ضرورة مراجعة بعض المواد التي قد تؤثر على حقوق الأطراف، خصوصًا تلك المتعلقة بآجال التقاضي، وتعزيز آليات الرقمنة بطريقة تضمن تبسيط الإجراءات دون الإضرار بحقوق الدفاع، بالإضافة إلى تمكين القضاة والمحامين من تكوينات متخصصة لمواكبة المستجدات القانونية والتكنولوجية، وبهذه الخلاصات، تم اختتام الندوة على أمل أن تؤخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار قبل المصادقة النهائية على القانون، لضمان أن يكون إصلاح المسطرة المدنية مدخلاً حقيقيًا لتحقيق عدالة ناجعة ومتطورة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *