طنجة تحت المجهر.. هل ستنهض المدينة أم تواصل الغرق في مستنقع البؤس؟

المستقل | فؤاد السعدي
لطالما كانت مدينة طنجة، عروس الشمال، محط إعجاب الكثيرين بما تتمتع به من جمال طبيعي ومعمار حضري حديث، إلا أن الأمطار الغزيرة التي اجتاحت المدينة يوم أمس، مخلفة وراءها سيولًا جارفة وأضرارًا مادية ضخمة، أظهرت الوجه الآخر للمدينة، الذي لطالما كان مُخبأ خلف واجهتها اللامعة. فهذه الأمطار لم تفضح فقط بنية المدينة التحتية، بل كشفت أيضًا عن غياب التدابير الوقائية والتخطيط السليم من المسؤولين المحليين.
لقد أثارت مشاهد الفيضانات التي غمرت شوارع مدينة طنجة العديد من التساؤلات حول كيفية تعامل السلطات المحلية مع هذه الأزمة، فعلى الرغم من تشكيل العديد من اللجان المختصة بتقييم الأداء ومتابعة حالة البنية التحتية، فإن نتائجها على أرض الواقع تظل ضعيفة، مما يثير الشكوك حول جدوى هذه اللجان ومدى فعاليتها. ما يلفت الانتباه أكثر وبشكل خاص هو غياب الإجراءات الاستباقية التي كان من الممكن أن تخفف من حجم الأضرار، لا سيما في القطاعات الحيوية مثل الماء والكهرباء والصرف الصحي، وهي قطاعات تقع ضمن مسؤولية شركة “أمانديس” المفوض لها تدبير هذه الخدمات الحيوية.
العمدة منير ليموري، المسؤول الأول عن تدبير شؤون المدينة، لم يمر دون أن يتعرض لانتقادات شديدة من المواطنين والمنتخبين على حد سواء. وقد تركزت هذه الانتقادات بشكل خاص على عدم قيامه بمراقبة فعّالة لأداء الشركات المسؤولة عن القطاعات الأساسية في طنجة، والتي فشلت بشكل ذريع في التعامل مع الأزمة الأخيرة. ورغم أن الجهات المعنية سارعت إلى إصدار بيان رسمي يتحدث عن جاهزية المدينة لمواجهة التقلبات المناخية، فإن الواقع على الأرض كان مختلفًا تمامًا، ليثير تساؤلات حول مدى صحة هذه التصريحات وفعالية الخطط التي تم الإعلان عنها.
شوارع مثل “بنديبان”، “المرس”، و”بني مكادة” غمرتها السيول بشكل غير مسبوق، ليجد الباعة الجائلون وأصحاب المحلات في تلك المناطق أنفسهم أمام كارثة حقيقية تهدد مصادر رزقهم. وسط هذا الوضع الكارثي المعتاد خلال كل فصل شتاء، بدأ العديد من المواطنين يتساءلون؛ كيف يمكن لمدينة تعاني من هذا التدهور في البنية التحتية أن تستضيف أحداثًا رياضية عالمية مثل كأس العالم؟ أسئلة منطقية، ولكن الإجابة تبدو غامضة في ظل الفوضى التي تعيشها المدينة.
ما يزيد الوضع تعقيدًا هو أن عمدة المدينة، رغم تراكم الانتقادات الشديدة، لا يزال في منصبه، وهو ما يثير علامات الاستفهام حول ما إن كان هناك دعم سياسي غير معلن يحميه من المحاسبة؟ أم أن هناك مصالح خفية تحصنه من أي تداعيات قانونية؟ هذه الأسئلة تظل بلا إجابة واضحة، مما يعزز الانطباع بأن هناك تقاعسًا متعمدًا من الجهات المسؤولة، وكأن هناك يدًا خفية تحاول إخفاء الحقيقة.
وفي الوقت الذي يترقب فيه المواطنون تدخل الوالي التازي، المسؤول عن مراقبة تدبير الشأن المحلي، يظل السؤال قائمًا حول مدى ترجمة تلك التصريحات الرسمية إلى أفعال ملموسة على أرض الواقع؟ على اعتبار أن التدخل الفعلي والجاد أصبح ضرورة ملحة، ليس فقط لمعالجة الأزمة الحالية، ولكن أيضًا لإعادة بناء الثقة المفقودة بين المسؤولين وسكان المدينة، الذين لم يعودوا يصدقون الكلمات دون أن تواكبها خطوات عملية.
بعد هذه الأمطار، أصبحت طنجة في دائرة الريبة، ولم تعد بحاجة إلى مجرد تصريحات رسمية وبيانات عمومية، بل تحتاج إلى خطط استراتيجية تتجاوز ردود الفعل الطارئة، وتواجه التحديات بشكل جاد ومستدام. فهل ستستمر الأوضاع على هذا النحو، أم أن المسؤولين سيأخذون زمام المبادرة ويضعون مصلحة المدينة وسكانها في مقدمة أولوياتهم، قبل فوات الأوان؟