التأمين الإجباري عن المرض.. مليارات تُنفق والقطاع العمومي يحتضر

المستقل | هيئة التحرير

منذ إطلاق مشروع التأمين الإجباري عن المرض، تراهن الحكومة على تحقيق تعميم يشمل جميع المواطنين المغاربة، إلا أن الواقع يشير إلى إخفاقات واضحة، وفقًا لما ورد في التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات. فقد بلغت نسبة التغطية الصحية 68 في المائة فقط من الهدف المحدد بـ22 مليون مستفيد بحلول نهاية 2022، مما يعكس فجوة كبيرة بين التطلعات والنتائج المحققة.

كشف التقرير عن تخصيص 11.037 مليار درهم لتمويل التأمين الإجباري عن المرض منذ دجنبر 2022 وحتى يوليوز 2024، إلا أن 74 في المائة من النفقات المفوترة خلال هذه الفترة ذهبت لصالح القطاع الخاص، بينما لم تتجاوز حصة المستشفيات العمومية 26 في المائة. هذا التوزيع يبرز اعتمادًا كبيرًا على القطاع الخاص في تقديم العلاجات، في ظل معاناة المستشفيات العمومية من نقص التجهيزات وضعف الموارد البشرية.

ورغم الجهود المبذولة، ما زالت فئات واسعة من المواطنين خارج مظلة التأمين الإجباري عن المرض. فعلى سبيل المثال، من بين 11 مليون شخص من ذوي المهن الحرة والمستقلين الذين كان من المفترض إدماجهم، لم يتجاوز عدد المستفيدين 1.8 مليون فقط. هذه الأرقام تدل على تحديات كبيرة تعترض عملية التعميم، أبرزها ضعف التواصل، وقصور في الإجراءات التنظيمية والإدارية، مما يثير التساؤل عن أسباب هذا التباطؤ في تنفيذ واحد من أكبر مشاريع الحماية الاجتماعية.

يشير التقرير إلى مخاوف من غياب آليات رقابة فعالة على نفقات التأمين، وهو ما قد يؤدي إلى توجيه جزء كبير من المخصصات المالية نحو مصاريف غير موجهة أو هدرها في غياب نظام صارم للمراقبة والتقييم. هذا القصور قد يحول المخصصات إلى شكل جديد من الدعم غير العادل الذي يثقل كاهل النظام المالي دون تحقيق الأهداف المرجوة.

إن تعزيز نظام التأمين الإجباري عن المرض يمر حتمًا عبر إصلاح جذري للقطاع الصحي العمومي، الذي يجب أن يشكل العمود الفقري لهذا المشروع. المستشفيات العمومية تحتاج إلى تحسين جذري في جودة الخدمات، وتوفير التجهيزات الطبية الكافية، وتطوير بنيتها التحتية لاستيعاب الطلب المتزايد. كما يتطلب ذلك توفير الكوادر الطبية الكافية ووضع نظام قانوني وتنظيمي حديث يركز على الابتكار والكفاءة.

بدون معالجة هذه التحديات البنيوية، يظل مشروع التأمين الإجباري عن المرض معرضًا لمزيد من الإخفاقات. إن نجاح هذا المشروع الوطني يعتمد على مدى تحقيق العدالة الصحية، وضمان توزيع عادل للموارد، وتعزيز ثقة المواطنين في النظام الصحي. التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من الأرقام المالية إلى واقع ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *