فؤاد السعدي يكتب.. “نارسا” تحت المجهر.. من وكالة لإنقاذ الأرواح إلى إدارة لتبديد المال العام


تعيش الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية “نارسا”، منذ تأسيسها، وضعية متأزمة تعكس فشلاً واضحاً في تحقيق الأهداف الموكولة إليها، تحت إدارة ناصر بولعجول الذي لا يزال يواصل مهمته رغم تراكم الإخفاقات، فالوكالة التي كانت من المفترض أن تكون قاطرة لتقليل حوادث السير وتعزيز السلامة الطرقية، تحولت إلى مجرد هيئة بيروقراطية غارقة في تدبير الوثائق الإدارية، مع غياب تام لرؤية واضحة وأهداف ملموسة.
وتبقى من بين أبرز الإخفاقات، الفشل في تدبير برنامج تكسير وتجديد الحافلات، الذي كان من المفترض أن يشكل نقلة نوعية في تحديث أسطول النقل الطرقي وتعزيز السلامة، إلا أنه ظل مجرد مشروع متعثر دون تحقيق أي نتائج ملموسة، هذا الفشل لا يمكن فصله عن غياب الإرادة الحقيقية للحوار مع المهنيين، حيث لم يُعقد أي لقاء مع ممثلي النقل الطرقي للمسافرين منذ تولي بولعجول المسؤولية، الأسوأ من كل هذا أن أصحاب المقاولات المتوسطة والصغرى، التي تشكل عصب القطاع، لا تحظى حتى بتمثيلية داخل المجلس الإداري للوكالة، ما يكرس تهميشهم ويزيد من تعقيد أوضاعهم.
الوكالة، التي تأسست لتحل محل اللجنة الوطنية للوقاية من حوادث السير، كان يُنتظر منها أن تكون فاعلاً رئيسياً في إعداد وتنفيذ استراتيجيات السلامة الطرقية وتطوير نظام شامل لمعالجة بيانات الحوادث، إلا أن الحصيلة تكشف عكس ذلك تماماً، فالحملات التحسيسية أصبحت باهتة وتفتقر للإبداع، والنتائج الميدانية تظل متواضعة إلى حد الصدمة، وخير دليل برنامج العمل الخماسي 2017-2021، الذي كان يُفترض أن يحقق تقليصاً بنسبة 25% في عدد القتلى بحلول 2021، لم ينجح سوى في تحقيق انخفاض لا يتجاوز 3% مقارنة بسنة 2019.
كل هذا الفشل يواكبه إصرار مريب على تبديد المال العام في صفقات مثيرة للجدل، فمن بين هذه المصاريف، تخصيص أكثر من 3.4 مليون درهم لطباعة الوثائق الاتصالية، رغم أن الرقمنة باتت خياراً أكثر جدوى وفعالية، بالإظافة إلى صفقات تركيب الرادارات، التي لم تحقق أي تأثير حقيقي في تحسين السلامة الطرقية.
ما يثير الاستغراب هو رغم هذه الحصيلة الكارثية، إلا أن ناصر بولعجول الذي عاصر خمسة وزراء نقل، لم تُطرح بشأنه أي أسئلة جادة تتعلق بمدى كفاءته أو قدرته على تحقيق الأهداف المنشودة، هذا الوضع يعكس غياباً واضحاً لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ويطرح تساؤلات حول مدى جدية الدولة في التصدي لآفة حوادث السير التي تستنزف الأرواح يومياً.
الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، في ظل إدارتها الحالية، تحولت إلى نموذج صارخ للإدارة المتعثرة، حيث تفتقر للرؤية وتستهلك الميزانيات دون أن تحقق الأهداف، وبالتالي فالاستمرار على هذا الوضع، لن يكون سوى عبء إضافي على المال العام، في الوقت الذي يظل المواطن هو من يدفع الثمن، سواء من خلال أرواح تزهق على الطرق أو موارد تُهدر بلا طائل.