أهمية النقد البناء في تدبير المؤسسات الديمقراطية وطريقة توظيفه كأداة للإصلاح لا كسلاح للهدم

بقلم | د. فريد بواحي
تُعدّ حرية التعبير والرأي ركيزة أساسية في أي نظام ديمقراطي حقيقي، إذ تمثل حقاً دستورياً ووسيلة فعالة للمساهمة في تطوير المجتمعات وتحقيق العدالة. ومع ذلك، فإن هذه الحرية تتطلب إطاراً من المسؤولية والموضوعية، خاصة عندما يتعلق الأمر بانتقاد طريقة تدبير المؤسسات. فالفرق بين النقد البنّاء والحقد الشخصي أو الاتهامات الكاذبة هو الفارق بين المساهمة الإيجابية في الإصلاح وتدمير الثقة في المؤسسات.
فالنقد المسؤول هو جزء أساسي من آليات الرقابة الشعبية على عمل المؤسسات. فهو يعزز الشفافية ويكشف الأخطاء ويساعد على تقويم المسار. غير أن هذا النقد يجب أن يكون مؤسساً على وقائع ثابتة؛ أي مستندا على أدلة دامغة ومعلومات مؤكدة، وليست مجرد افتراضات أو ادعاءات لا أساس لها. غير أن هذا لن يتأتى سوى بالتسلح بمعرفة عميقة بالموضوعات المطروحة، لتفادي تضليل الرأي العام.
ففي ضل السياق الذي نعيشه اليوم، أصبحت بعض الأصوات تسعى إلى توظيف قضايا نبيلة مثل حرية التعبير والنقد في خدمة أجندات شخصية أو سياسية. وهذا الوضع يثير تساؤلات حول حدود المسؤولية في التعبير عن الرأي. فحين يتحول النقد إلى مجال لـ”التبزنيس” السياسي والإعلامي، فإنه يضر بالمؤسسات ويقوض الثقة فيها، مما يفتح المجال أمام التضليل والشعبوية.
وبالتالي يبقى التمييز بين النقد الموضوعي والحقد المبني على النوايا السيئة صرورة ملحة. فالنقد الحقيقي يقوم على فهم عميق للمشاكل المطروحة، بينما الحقد ينطلق من رغبة في الإساءة والتشويه. كما أن الرأي المسؤول يتجنب السب والاتهام الباطل الذي يسعى البعض إلى تسويقه كحق دستوري. إن استخدام لغة التشهير والتهجم لا يخدم القضايا العامة، بل يؤدي إلى خلق أجواء سلبية تضر بالمجتمع ككل.
لا يختلف اثنان على أن المؤسسات الوطنية هي عماد الاستقرار والتنمية. وعليه، فإن حمايتها من الاستهداف الممنهج عبر الكذب والزيف والتضليل هي مسؤولية الجميع. هذا لا يعني أن المؤسسات فوق النقد، بل إن النقد الهادف والبنّاء هو في حد ذاته وسيلة لحمايتها من الأخطاء والإساءات. لكن ذلك لا يحتمل “البوليميك” المبالغ فيه الذي يستهلك الطاقة والوقت دون فائدة.
النقد البنّاء ليس مجرد حق، بل هو واجب في أي مجتمع ديمقراطي يسعى لتحقيق التنمية والاستقرار. لكنه يجب أن يكون مبنياً على أسس من الحقائق والمعرفة، بعيداً عن التشهير أو الشعبوية. فالفرق بين النقد والحقد هو الفرق بين بناء مجتمع قوي ومتوازن، وبين هدم القيم التي تحفظ تماسكه. لذا، علينا جميعاً أن نعمل على تعزيز ثقافة النقد المسؤول كأداة للإصلاح، لا كسلاح للهدم.