انتخابات رئيس جماعة مكناس.. مواقف متناقضة وصراعات خفية تكشف عن رهانات حزبية ومصالح ضيقة

مع اقتراب موعد انتخابات رئيس مجلس جماعة مكناس، تبرز تناقضات سياسية وتوجهات متضاربة بين الأحزاب، مما يعكس صورة متشابكة تعبر عن الصراعات الداخلية والمصالح الشخصية التي تهيمن على المشهد. وسط هذا الزخم، اختار حزب العدالة والتنمية موقف الامتناع عن التصويت، في خطوة وُصفت من البعض بأنها “حذرة”، وربما “سلبية”، إذ كان من المتوقع أن يتخذ الحزب موقفاً أكثر شجاعة وحسماً خاصة في ظل التوتر السياسي المستمر بين قياداته وقيادة حزب التجمع الوطني للأحرار، التي رفضت سابقاً إشراك فريق العدالة والتنمية في تركيبة مجلس الرئيس المستقيل جواد باحجي واعتبرته خطا أحمرا.

كان بإمكان إخوان بوانو، من خلال دعمهم الصريح لأحد المرشحين، أن يُسهموا في إعادة التوازن للمشهد السياسي، خاصة بعد أن اتخذ “الأحرار” موقفاً صارماً تجاه العدالة والتنمية في المرحلة السابقة. إلا أن قرار الامتناع يعكس نوعاً من الحذر، ويُعتبره البعض تنازلاً غير مبرر، بينما يرى آخرون أنه محاولة لتجنب التورط في حسابات سياسية قد تؤثر سلباً على مصالح الحزب مستقبلاً.

على النقيض من ذلك، يبرز موقف حزب التجمع الوطني للأحرار الذي دفع بسميرة فصيور لخوض هذه الانتخابات، من خلال اعتماده إجراءات قانونية لإجبار مستشاريه على دعم مرشحته، مستعيناً بمفوض قضائي لتحذير من يخالف هذا التوجه باللجوء إلى المادة 20 من القانون التنظيمي، التي تقوم على تجرد المستشار من عضويته في حال خالف قرارات الحزب. هذه الخطوة أثارت انتقادات لاذعة، حيث تساءل البعض عن سبب عدم تفعيل هذا الإجراء عند توقيع أربعة من مستشاري “الأحرار” على ملتمس إقالة الرئيس السابق، جواد باحجي، المنتمي للحزب نفسه. هذه الانتقائية وازدواجية المعايير تطرح تساؤلات حول مصداقية الحزب، وتثير شكوكاً حول نوايا قياداته الاقليمية في فرض الطاعة الحزبية عندما تتماشى مع مصالحهم فقط، ما يُعتبر “كيل بمكيالين” في التعاطي مع مستشاري الحزب.

في ظل الحراك السياسي الجاري حول انتخابات رئاسة مجلس جماعة مكناس، يأتي قرار الامتناع الذي أصدره الكاتب الإقليمي لحزب التقدم والاشتراكية ليضع حزب علي يعته أمام انتقادات عديدة. فالقرار، الذي بدا للكثيرين مفرغًا من سياق التقدير السياسي، قوبل بانتقادات حول كونه اتخذ دون عقد أي اجتماع رسمي لمناقشة الوضع الراهن وتحديد الموقف الأنسب، وهو ما اعتبره البعض قرارًا “شاذًا” و”جبانًا”، ويشير إلى اتخاذه بشكل فردي ودون اتباع المساطر التنظيمية اللازمة داخل الحزب. 

التساؤلات تتزايد حول الاجتماع الذي لم يُعقد، والتشاور الذي لم يتم، حيث أكد ممثلا الحزب بمجلس الجماعة عدم علمهما بأي اجتماع أو مشاورات سبقت هذا القرار، مما يضعه في إطار القرارات الانفرادية التي تخالف المبادئ التنظيمية. بل إن أصواتًا عدة تتساءل عما إذا كان الأمين العام للحزب، نبيل بنعبد الله، على دراية بأن الحزب بمكناس صار يدار وكأنه ضيعة خاصة في يد الكاتب الإقليمي، يتحكم فيها كيفما شاء، بعيدًا عن الشفافية والتنظيم الواجبين.

هذا القرار أحادي الجانب والذي لا يُراعي دقة المرحلة السياسية بمكناس يُضاف إلى قائمة من الانتقادات الموجهة للتدبير المحلي لحزب “الكتاب”، مع تأكيدات بأن مواقف الحزب يجب أن تكون نتاج مشاورات داخلية حقيقية تتناسب مع طموحات وانتظارات مناضليه وقواعده، وليست مجرد قرارات فردية تحتكم لمصالح خاصة، بعيدًا عن رؤية سياسية تخدم المدينة وأهلها. فماذا لو كان ممثلا “الكتاب” بمكناس يساندون مرشحة “الاحرار”، هل كان الكاتب الإقليمي سيتجرئ لاصدار بلاغ بالامتناع عن التصويت؟ هل منطق صداقته مع احد قيادات “الاحرار” يسمح له بالتلاعب بمصالح حزب علي يعتة؟ هل اصبح التقدم والاشتراكية بتاريخه الزاخر والمشرف أداة في ايدي الكاتب الاقليمي يسخرها لتحقيق مآربه الشخصية؟

ومع اقتراب لحظة التصويت، تستمر الجهود من قبل قيادة حزب “الحمامة” لضمان دعم إضافي عبر استقطاب الأحزاب الصغيرة، مثل حزب البيئة والتنمية المستدامة، الذي دعا ممثله بمجلس جماعة مكناس لدعم مرشحة “الأحرار” دون اعتبار للخصوصية المحلية والأجواء السياسية بالعاصمة الإسماعيلية. ويرى بعض المحللين أن هذه الخطوة تعكس تجاهلاً كبيراً للتحديات الحقيقية التي تواجه مكناس، وتوضح أن الأحزاب المركزية قد تكون بعيدة عن فهم الديناميات المحلية، مما يعكس “البؤس السياسي” عند بعض القيادات الحزبية التي ترى في ممثليها أدوات تخدم مصالحها فقط، أو بالأحرى مجرد دمى تحركها متى تشاء ووقتما تشاء.

هذا ويتابع المواطنون هذه التحركات بتوجس وترقب، آملين في قيادة قادرة على تحمل المسؤولية، وراغبين في انتخابات تمنح مكناس فرصة جديدة لتحقيق الاستقرار السياسي وتعزيز تنميتها بعيداً عن حسابات المصالح الضيقة.