فوضى تدبير الحقل الصحي بجهة فاس مكناس.. صفقة تهيئة مصحة طب الأطفال بمستشفى سيدي سعيد نموذجاً


تواجه وزارة الصحة اتهامات بسوء إدارة المشاريع العمومية مرت عليها سنوات، يتعلق الأمر بصفقة توسيع وتهيئة مصلحة طب الأطفال بمستشفى سيدي سعيد بمكناس، وهي المصلحة التي لم يتأتى لها أن ترى النور رغم انتهاء الأشغال وحصول المقاول على شهادة الاستلام النهائي، مما يثير تساؤلات حول مدى نزاهة هذه الصفقة وفعالية الإشراف عليها.
لطالما حامة الشكوك حول هذه الصفقة، وكثر بشأنها وبالظروف المرتبطة بحصول المقاول على وثيقة الاستلام النهائي للمشروع رغم أن أشغال التهيئة لم تكن مطابقة للموصفات والمعايير المتفق عليها الكثير من اللغط، بدليل الحالة المزرية التي توجد عليها المصلحة حتى قبل أن تفتح أبوبها في وجه المرتفقين.
اليوم مرت أربع سنوات دون أن يكسر حجاب الصمت وينكشف المستور في قضية تحوم حولها وحول أبطالها أكثر من علامات الاستفهام بدأ من العلاقة الوثيقة التي كانت تجمع بين وزير الصحة الحالي خالد أيت الطالب والمدير الجهوي للصحة لجهة فاس مكناس السابق، بطل العديد من الملفات المشبوهة التي بصمت مسيرته المهنية أخرها صفقة مواد التعقيم التي أثيرت حولها ضجة كبيرة خلال جائحة كورونا وكيف خرج المسؤول الأول عنها سالمًا دون محاسبة.
تفاصيل صفقة تهيئة مصلحة طب الأطفال
في إطار مشروع يهدف إلى توسيع وتهيئة مصلحة طب الأطفال بمستشفى سيدي سعيد، تم تخصيص حوالي 300 مليون سنتيم كلفة لهذا المشروع، بشراكة بين مجلس عمالة مكناس، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وجماعة مكناس، وجهة فاس مكناس. ورغم اكتمال الأشغال وتسليم المشروع، لا تزال المصلحة مغلقة حتى اشعار آخر، مما يثير علامات استفهام كبيرة حول الأسباب الحقيقية وراء هذا التأخير. وما إن كان وراء هذا الإغلاق فضيحة يعمل أصحاب الشأن الصحي مركزيا وجهويا التستر عليها والمتورطين فيها.
الأكثر إثارة للجدل هو محاولات المديرية الجهوية للصحة السابق الضغط على اللجنة التقنية للتوقيع على محضر الاستلام النهائي للأشغال، على الرغم من عدم استكمال كافة البنود المنصوص عليها في دفتر التحملات. ما يفسر بوجود خلافات واضحة حول جودة التنفيذ ومدى التزام الشركة المنفذة للمشروع بشروط الصفقة. وهنا نطرح السؤال هل كان الوزير وصديقه المدير الجهوي على علم بما يقع؟
التستر على التجاوزات
تورط المدير الجهوي للصحة السابق في صفقة مواد التعقيم كان من المفترض أن يدفع إلى تحقيقات جادة، إلا أنه، على ما يبدو، خرج من القضية دون أي تبعات تُذكر. هذه الحادثة تُظهر بوضوح نمطًا من العلاقات الشخصية التي قد تكون قد ساعدت في التغطية على هذه التجاوزات. ففي الوقت الذي كان يجب فيه على المسؤولين أن يخضعوا للمحاسبة، بدا أن العلاقة الوثيقة بين “الوزير والمدير” كانت كفيلة بإبعاد شبح المحاسبة عن الأخير.
التأخير والاحتيال
يتضح أن سبب التأخير يرتبط برغبة المسؤولين في نقل مصلحة طب الأطفال بتجهيزاتها وأطقمها الطبية من مستشفى محمد الخامس إلى مستشفى سيدي سعيد، ما يعتبر نوعًا من التدليس على اعتبار أن الهدف الأصلي للصفقة والغلاف المالي المخصص لها كان هو إنشاء مصلحة جديدة مستقلة، وليس مجرد نقل الخدمات من مكان إلى آخر. هذه الخطوة تثير تساؤلات حول جدوى المشروع وهدر المال العام، إذ أن الاتفاقية نصت على ضرورة توفر المدينة على مصلحتين لطب الأطفال، واحدة بمستشفى محمد الخامس والأخرى بسيدي سعيد في إطار تقريب الرعاية الصحية من المواطنين ونقص الضغط على مستشفى محمد الخامس.
الأكثر من هذا أن مصلحة طب الأطفال ترتبط عادة بتخصصات متعددة مثل القلب والشرايين، الإنعاش والجراحة غيرها، وبالتالي فإن نقل مصلحة طب الأطفال لوحدها يُعتبر عبثًا وإهمالًا لصحة المواطنين. إذ أن أي طفل يحتاج إلى تدخل طبي في تخصصات أخرى سيضطر إلى التنقل بين المستشفيين لتلقي العلاج. فها يوجد ـأكثر من هذا الاستهتار بصحة المواطنين؟
دعوات للتحقيق والمساءلة
في ظل هذه المعطيات، باتت الحاجة اليوم ملحة إلى فتح تحقيق شامل لكشف ملابسات تعثر انطلاق العمل بمصلحة طب الأطفال والكشف عن الاختلالات التي رافقت تنفيذ الصفقة. كما تتعالى الدعوات إلى وزارة الصحة والمفتشية العامة للمالية والمجلس الأعلى للحسابات للتحقيق في الدور الذي لعبته العلاقات الشخصية بين الوزير والمدير الجهوي في التستر على فضائح المديرية الجهوية للصحة بفاس مكناس.
ومع تزايد الشكوك حول استغلال العلاقات الشخصية للتغطية على التجاوزات، تبرز ضرورة تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. لإن تجاوزات مثل هذه لا تقتصر آثارها على الفساد المالي، بل تمتد لتؤثر سلبًا على جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين، ما يفاقم معاناتهم ويعكس ضعف الرقابة على تسيير المشاريع العمومية. ومع كل هذا يبقى السؤال المطروح، لماذا تسعى الوزارة إلى انشاء مصحة لطب الاطفال أو لتخصصات أخرى بمستشفى سيدي سعيد الذي يعتبر من بين أقدم المؤسسات الصحية المتخصصة في علاج الأمراض الصدرية والتنفسية بالمغرب، والذي كان يلعب دورًا محوريًا في رعاية مرضى السل والأمراض التنفسية الأخرى بعد انتهاء خدمة مستشفى بن صميم؟
هل يدخل إهماله التدريجي وتراجع مستوى الخدمات الصحية المقدمة، وتدهور البنية التحتية وضعف الاستثمار في تجديده وتطوير معداته ضمن استراتيجية آيت الطالب الرامية إلى تحويل مؤسسات استشفائية بوسط الحواضر إلى مجمعات سكنية من خلال تفويتها لمنعشين عقارين؟
أسئلة حارقة ننتظر من وزير الصحة الإجابة عليها، وقبل هذا لا نحتاج أن نذكر سعادته بأن مستشفى سيدي سعيد اعتبر على مر سنوات مرفقا استشفائية متخصصا لعلاج أمراض الصدر، وكان يستقبل العديد من المرضى من داخل مكناس وخارجها. بفضل موقعه ودوره الصحي المهم، بعدما اكتسب شهرة واسعة في فترة ما، وكان يُعتمد عليه بشكل كبير لتقديم الرعاية الصحية في هذا المجال، على اعتبار كان ولا يزال يعتبر رمزا للإرث الصحي التاريخي لمكناس، وأن إغلاق بعض أقسامه والتراجع في خدماته أصبح مثارا للجدل، وآن الآوان لإعادة إحيائه وتجديده، حتى يعود إلى لعب دوره كصرح طبي حيوي للمدينة والمنطقة عموما.