فؤاد السعدي يكتب.. هل تحول ميناء طنجة المتوسط من نقطة جَذبٍ إلى عَاملِ نفورٍ؟


عاد موضوع إكتظاظ ميناء طنجة المتوسط ليستفرد بالنقاش في الأوساط المهنية في الأيام الأخيرة، بعد إعلان سلطات ميناء الجزيرة الخضراء عن إحباط عملية تهريب 25 طن من مخدر الشيرا قادمة من المغرب، وسط مطالب مسؤولة وجادة موجهة لسلطات الميناء بطنجة لإحتواء الوضع، الذي أصبح يهدد سمعة هذا المرفق الإستراتيجي ويضرب في العمق السلم المهني.
وجاء إعلان السلطات الجمركية بتشديد إجراءات المراقبة على الشاحنات بعدما ثبت لها أن شحنة المخدرات موضوع الحجز بميناء الجزيرة الخضراء قد تمكنت من عبور نقط المراقبة بميناء طنجة المتوسط دون أن يتم رصدها. وهنا نتساءل عن فعالية ونجاعة المراقبة الأمنية المرتبطة بالعنصرين التقني “المسح الألي” والبشري سواء تعلق الأمر بالجمارك أو السلطات الأمنية بأحد أهم النقاط الحساسة التي أراد لها عاهل البلاد أن تكون رائدة في الربط القاري بين إفريقيا وأوروبا. وفيما إن كان وضع حركة الملاحة البحرية سيظل على الدوام مرهونا بين مطرقة الالتزامات التجارية الدولية وسندان ضعف الأجهزة المراقباتية وفشلها في تفعيل الاجراءات المرتبطة بحالات التوقع والإستباقية؟
فمن غير المقبول مع كل هذا الزخم من التجارب التي راكمها القائمين على هذا الصرح الاقتصادي والتجاري أن نرهن حركة الملاحة البحرية ونعطل مصالح المستثمرين ونخل بالتزاماتهم اتجاه شركائهم، ونحن نعرف مدى تأثير كل هذا على دورة الانتاج وانعاكسها على رقم المعاملات، في كل مرة يتم الاعلان فيها عن احباط عملية اجرامية، وما يترتب عنها من ارتباك في حركة شحن البضائع، لمجرد أن جهازي الجمارك والأمن بالميناء لم يقوما على وجه الأكمل بمسؤولياتهمت، وأن أي رد فعل من قبل هذين الأخيربن أو أي إجراء من طرفهمه برفع درجة المراقبة واليقظة بعد أي واقعة تهريب للمخدرات هو بمثابة در الرماد في العيون، ومحاولة مكشوفة من القائمين على الجانب المراقباتي لصرف الانتباه على أن المقاربة الأمنية المتخذة غير ذي جدوى، وأنهم يفتقدون الى تصور استراتيجي عملي قادر على حفظ ماء وجه الملاحة البحرية الوطنية وما حققته من مكتسبات طيلة العشر السنوات الأخيرة، بل وعاجزون حتى عن إيجاد خطط رائدة، وابتكار آليات فعالة قادرة على إحباط أي محاولة جرمية دون إحداث أي ارتباك لا على مستوى سيرورة عملية الملاحة البحرية، ولا على مستوى سلاستها من جهة أخرى.
والحديث هنا عن عدم فعاليات المقاربة الأمنية بميناء طنجة المتوسط يجرنا الى الخوض في آليات تدبير هذا المرفق الاستراتيجي بشكل عام حتى أصبحت تحوم حوله العديد من علامات الاستفهام من قبيل النجاعة والمردودية والجودة. صحيح أن ميناء طنجة المتوسط اليوم يدخل ضمن الطفرة التي يعرفها المغرب في تحقيق المشاريعِ الكبرى، ويساهم في تلبية الطلبات المتزايدة على حركة النقل البحري، في مبادرة معقلنة وناجعة لجعل المملكة المغربية أكثر انفتاحا نحو تشجيع المستثمرين الأجانب، عبر تدشين خطوط ملاحية حيوية بسلاسة مهنية، تستجيب لتطلعات المصدرين والمستوردين، في بلوغ بضائعهم إلى وجهاتها بعد المعالجة الفورية في أوقات قياسية، ورفع تحدي الهاجس الزمني الذي ظل يؤرق شريحة كبيرة من المهنيين. غير أن هذا المبتغى لايزال بعيد المنال بسبب ضعف التسيير وسوء التدبير وانعكاس ذلك على مستقبل الميناء وسمعة الملاحة البحرية الوطنية.
حديثنا عن الفشل في تدبير ميناء طنجة المتوسط لا يدخل في باب التجني على القائمين بشؤونه، ولكن يأتي من خلال رصدِ واقع حال الميناء الذي حتى وإن حقق طفرة نوعية على المستوى الكمي من خلال رفع الطاقة الاستيعابية للحاويات وتعزيز مكانته كمنصة عالمية للتجارة، تبقى واحدة من نقاط ضعفه تلك المرتبطة بالجانب التدبيري وطريقة تعاطي المسؤولين مع مجموعة من الإكراهات خصوصا تلك المرتبطة بالبنية التحتية ومدى فعاليتها في تسهيل حركة الشحن، وبالتالي ضمان النجاعة في تدفق سلس للبضائع، وتقليص أوقات العبور، وتقليل التكاليف، وتعزيز الأداء العام لسلسلة التوريد. هنا نسجل بأن المسؤول الأول عن ميناء طنجة المتوسط فشل فشلا ذريعا في ضمان مرونة البنية التحتية رغم الاستثمارات الضخمة التي تم رصدها وصرفها في عملية التوسيع وبناء الأرصفة التي لم تحقق الغاية المراد منها في خلق المرونة والليونة اللازم توفرها في عمليات التصدير والاستيراد. الأمر الذي يعطي الإنطباع بوجود خلل ما، ويدفعنا لطرح العديد من علامات الاستفهام. إما أن بناء هذه الأرصفة لم يخضع للمعايير المعمول بها دوليا، وإما أننا نفتقد إلى عقلية المسؤول المتبصر “Responsable visionnaire”. وبالتالي أخلفنا قاعدة “الرجل المناسب في المكان المناسب”.
وهو ما يجسد غياب رؤية استشرافية لدى القائم على شؤون الميناء، ويعطي الإنطباع على أن هذا المرفق ليس بين أيادي آمنة قادرة على الابتكار وإبداع استرتيجيات عملية قادرة على تحويل عبث التدبير إلى دينامية فعالة وناجعة. بمعنى آخر ما جدوى من صرف ميزانيات ضخمة في عملية توسيع البنية التحتية إن لم تكن الغاية منها الحد من ظاهرة الاكتظاظ ونكتشف بعد مرور سنتين أو ثلاثة أنها لم تعد قادر على استجابة للمتطلبات؟ أو بالأحرى ما جدوى من إقرار استثمارات ضخمة في عملية التوسيع بملايين الدولارات إن لم تكن الغاية منها حل الاشكالات الآنية والمستقبلية التي تمتد على مدى 50 سنة وأكثر وتتناسب مع حجم المتطلبات والحاجيات؟ ألا يستدعي ما يجري اليوم وفي كل مرة يحصل فيها الإكتضاظ وتصل فيها طوابير الشاحنات حتى طريق السيار القصر الصغير المساءلة عملا بقاعدة ربط المسؤولية بالمحاسبة، أم أن مسؤولي المركب المينائي يخرجون عن هذه القاعدة؟
هذا دون الحديث عن الغياب المتكرر لرئيس مجلس الرقابة للوكالة الخاصة لطنجة المتوسط عن المركب المينائي طنجة المتوسط الأمر الذي يطرح العديد من علامات الإستفهام حول دوافع ومبررات تواريه عن الأنظار إن صح التعبير، فهل بمثل هذه الممارسات يمكن لهذا الصرح الاستراتيجي تحقيق الريادة وتطوير الممارسة في مجال تسيير وإدارة منصات الموانئ المندمجة؟ والى متى سيظل المدير العام للسلطة المنائية يزاول مسؤوليات رئيس مجلس الرقابة الغائب على الدوام؟ وهل لهذا العبث كله علاقة برغبة المستثمرين في ايجاد واجهات أخرى غير المغرب للاستثمار بعدما أصبحت الملاحة البحرية بطنجة المتوسط نقطة سوداء. فهل تحول المركب المينائي طنجة المتوسط من نقطة جذب الى عامل نفور؟
يتبع..