فؤاد السعدي يكتب.. حكومة أخنوش وتقييم الأداء

المستقل _ فؤاد السعدي 

لقد تأكد جليا أن الحكومة التي تأخذ قرارات، تعتبرها شجاعة وجريئة واستثنائية، ويعتبرها المغاربة ارتجالية وعبثية وغير شعبية، تعاني من اختلالات تدبيرية بسبب قلة التجربة والحسابات المغلوطة والتقديرات الخاطئة والمصالح الذاتية. وها نحن بعد أزيد من سنتين نضرب على قوافي رؤوسنا ونستيقظ على كابوس مخيف وتزداد قناعتنا بأن حال المغاربة ماض نحو نفق مظلم، حيث صار حاضرهم أسوأ من ماضيهم وغالبا ما سيكون مستقبلهم أشد قتما وسوادا. وأن الاختلالات  والعبث الذي ضرب مختلف مناحي حياتهم قد حول أحلامهم إلى جحيم من التوتر والقلق واللاستقرار.

لا يريد المواطن اليوم شروحات لمعرفة الظروف التي ساهمت في ميلاد هذه الحكومة، ولكنه يحتاج لمعرفة الخطأ الذي وقعت فيه الدولة عندما راهنت على حزب “الأحرار” لتدبير المرحلة وهي واعية تماما أنه يفتقد إلى كفاءات سياسية قادرة على تحمل مسؤوليات حكومية وإدارية وتنفيذ الرؤية الملكية.

يريد المواطن أن يعرف لماذا فشلت السلطة السياسية وهي تعرف أنها تراهن على حزب كانت وظيفته منذ تأسيسه هو الحفاظ على التوازنات داخل النظام السياسي المغربي، ولم يكن يعول عليه بكل حال من الأحوال لتولي زمام تدبير شؤون المغاربة.

الأكثر من هذا وذاك، المواطن يريد أن يسمع أرقاما حقيقية حول معدل النمو الاقتصادي، ونسبة التضخم، وتفاصيل عن استراتيجية تقليص البطالة، والخطة المعتدة لمحاربة الفقر والهشاشة، والتدابير المتخذة للرفع من أجور العاملين في مختلف القطاعات، ونسبة انجاز البرامج الإنتخابية لأحزاب التحالف الثلاثي خصوصا صاحب شعار “تستاهل احْسن”، حتى يقدّر كمية الحجارة التي سيرجم بها قيادات هذا الحزب ووزرائه إذا تخاذلوا عن تحقيق ما وعدوا به على حد قول الطالبي العلمي. لأن الاستمرار في الحكومة رهين بوجود أرقام وتصورات ومشروع إصلاحي لا زلنا لم نر من إشراقاته شيئا.

المواطن يريد من حكومة أخنوش الإنكباب بجدية على العمل الذي ستحاسب على مردوديته. يريد وزراء سياسيين بخلفية فكرية حقيقية، وتاريخ نضالي، وامتداد جماهيري، لا إلى وزراء يدبرون ويحكمون ولا يحاسبون، ولا إلى جماعة موظفين يؤدون خدمة تقنية، ويتقاضون أجورهم ثم ينصرفون. فعندما تنتفي السياسة من مقوماتها الأساسية، وتفرغ من أبعادها الفكرية والنضالية والتمثيلية، تكون النتيجة خروج وزراء من طينة عبد اللطيف وهبي “مول التقاشر” الذي فشل في معركة امتحان المحاماة وخلق صراعات مجانية مع قضاة المغرب وغيرهم من الفئات المهنية داخل الوزارة، من خلال تغييب المنهجية التشاركية والاستفراد بالقرارات. فهل ننتظر من وزير لا يفهم سوى في “تخراج العنين” أن يكون مستعدا للمحاسبة وتقديم التفسير السياسي المقنع في حالة الإخفاق، وعدم النجاح؟

ثم شكيب بن موسى بتصوره التقنوقراطي وكيف استطاع خلق أزمة احتقان وتصعيد غير مسبوقين بقطاع التعليم من خلال تنزيل النظام الأساسي الجديد لموظفي الوزارة دون أن يستحضر مجموعة من الأبعاد في معالجة مشاكله، خاصة تلك المتعلقة بالموارد البشرية. وبالتالي تكريس مقاربة مرتبطة برؤية فئوية ضيقة تنتصر لمصالح نقابية تسترزق من ملفات أسرة التعليم.

وضمن قائمة الوزراء الفاشلين في حكومة أخنوش، الوزيرة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، غيثة مزور، التي أعادت تكرار نفس أخطاء سلفها لإصلاح الإدارة المغربية باعتماد برامج ومشاريع تتعلق بتحسين الاستقبال، وميثاق المرافق العمومية، وتدبير الكفاءات، وإعادة هيكلة الوظيفة العمومية العليا والمتوسطة لتجد نفسها محاصرة في مواجهة انتقادات لاذعة، واتهام بالإخفاق أمام غول الفساد، وذلك على خلفية تراجع المغرب ب 7 درجات في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية برسم 2022.

وأيضا وزير النقل محمد عبد الجليل وعجزه عن إيجاد آلية لإيقاف النزيف المتواصل لحوادث السير المميتة، والحد من الخسائر التي تتسبب فيها حرب الطرقات. بالإضافة الى الوزير السكوري الذي فشل فشلا ذريعا في احتواء أفواج العاطلين عن العمل بحيث بلغت نسبة البطالة في عهده 20 بالمئة. ثم وزير العطش نزار بركة الذي تكاد تكون حصيلة تدبيره لقطاع الماء “صفرية”. زد على ذلك الوزيرة بنعلي التي تركت المغاربة عرضة لتقلبات السوق العالمية للمحروقات. ليأتي في الأخير الوزير بايتاس “مول الشفاوي” بإطلالته الخميسية لتسويق انجازات زملائه الفاشلين بلا استحياء.

دون أن ننسى وزير الفلاحة والصيد والبحري والمياه والغابات محمد صديقي الذي أحرق جيوب المغاربة بلهيب أسعار المواد الغذائية من خضر وفواكه ولحوم، ولازال حتى الآن يتشبث بسرد نفس الأسباب القديمة للغلاء ويتفادى الإقرار بغياب إجراءات واقعية وملموسة لإنهائه. لقد أضاع الوزير “المغمور” وسلفه أخنوش عندما كان وزيرا للفلاحة على بلادنا فرصة ذهبية للإقلاع الفلاحي، وأهدرا مبالغ جد ضخمة تُقدّر بملايين الدراهم خلال 15 سنة الماضية لجعل قطاع الفلاحة رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في المغرب، انطلاقًا مما أسموه مخطط المغرب الأخضر، الذي انتهى أمده سنة 2020، مرورا بصندوق التنمية القروية، الذي هيمن أخنوش على ملاييره، وصولا اليوم إلى “استراتيجية الجيل الأخضر”، التي عوّضت “المخطط”، ليتضح، بعد مرور عقد ونصف من الزمن، أن كل ما راج من شعارات عن”السيادة” و”الأمن” الغذائيين لم يكن سوى كلام ووعود “كاذبة” شبيهة بنفس الوعود الانتخابية، التي دغدغ بها عزيز أخنوش مشاعر الناخبين لينقضّ على كرسي رئاسة الحكومة.

إن أكبر رهان ينتظره المغاربة اليوم، هو إجراء تعديل حكومي موسع من أجل إعطاء نفس جديد للفعل السياسي، وطرد الوزراء الفاشلين. ولما إسقاط الحكومة برمتها؟ لأنها لم تعد تنتج سوى الفشل. فما يجري في بلادنا، لم يعد يقبل المجاملة والمداراة، بل الوضوح والمكاشفة، وعرض الوقائع كما هي حتى لو بدا التعبير عنها مؤلما أو قاسيا. فالحكومة التي راهن عليها المغاربة لتدبير شؤونهم، والسهر على معالجة همومهم، والتخفيف من معاناتهم، قد  تخلت عنهم وخذلتهم، وأن وزرائها اجتمعوا ليس للعمل على تنزيل برنامجها، ولكن من أجل تغيير أحوالهم وتحسين أوضاعهم وتسمين أرصدتهم وتضخيم شخوصهم. فإلى متى سيبقى مقدرا على المغاربة التعايش مع حكومة الفشل؟

للحديث بقية