فؤاد السعدي يكتب.. مكناس.. سقط القناع

المستقل _ فؤاد السعدي

إنَّ الوطن الذي نسكنُه ويحيا في أعماق وجداننا، أكبر من كل المهاترات السياسية، وأعزُّ من كل التوجهات الحزبية، وأعلى وأهم من كل المنافع الضيقة الذاتية أو الحزبية. فهو في حاجة إلى الوطنيين الحقيقيين المخلصين، لا إلى الوصوليين الانتهازيين، الذين هم يراؤون، وعلى كل الموجات يركبون، وعلى مآسي الناس يقتاتون، وعلى المناصب يتناحرون، وعلى المكاسب يلهثون، فهؤلاء عبءٌ على الأوطان لا خير فيهم، ولا نفع يرجى من ورائهم.

فهم لا يبْغُون في الواقع إلا تحقيقَ مصالح ذاتية أو حزبيةٍ ضيقة، ولهم باع وقدرة عجيبة على تقديمِ صياغاتٍ لفظية تُشْعرك بنزاهة عالية وتجرد واضح وحسّ وطنيٍّ عال وضمير حي ويَقظ، لكن بمجرد الاقتراب من واقعِهم الحقيقي وملامسة طموحاتِهم الفعلية الجارفة الخاضعة الى منطق “أنا ومن بعد الطوفان”، ستقف على مدى وضاعتهم وحجم نفاقهم، وتكتشف بأن سلوكهم ما هو إلا رياء أخلاقي ووطني وسياسي يبغون من خلاله تحقيق أهدافهم وغاياتهم مهما كان الثمن حتى وإن كلف الأمر التضحية بأصدقائهم أو مقربون منهم أو أولياء نعمٍهم السياسية.

مدينة مكناس كباقي مدن وطني الحبيب تضم نماذج من هؤلاء السياسيين ممن لا أخلاق لهم ولا مروءة ولا مبدأ، تعرفهم عندما تسمع خطاباتِ بعضهم أو تقرأ هرطقات البعض الآخر فيخيل لك أنك أمام سياسيين وطنيّين يحترقون غِيرَة على هذا الوطن، يودُّون لو افتدوه بروحِهم وبكلِّ ما يملكون، ومُعلنين في ذلك عن زهادةٍ واضحة في المناصبِ وتعفف في نيل المكاسبِ، وتأفف في طرق أبواب المسؤولين والمعنيين بالقرارات أكانت ادارية أو حزبية، ومؤكدين في الكثير من خراجتهم زهدهم في المناصب واستعدادهم للتخالي عنها، وأن خدمة المدينة لا يلزم أن تكون عبر العضوية في مكتب مجلسِها أو شيء من هذا القبيل، ولا ينسوا – كلما وجدوا مناسبة سانحة – أن يذكرونا بأنهم لا يريدُون من مهامهم داخل الجماعة لا جزاء ولا شكورا، حتى يكاد مستمع لطرهاتهم أن يصدق ما يقولون، ويجزم بالقول بأن هؤلاء هم المخلصُون لهذا المجلس والأجدرُ بتدبير شؤونه، وبمجرد ما يشير إليهم ببارقةِ أملٍ في أي منصبٍ صغُر أو كبُر نَسوا ما كانوا يدعون إليه مِنْ قبلُ، وتحوَّلوا من ثائرين وناقدين للأوضاعِ إلى حكماء يحدثون الناسَ عن المبادئ والقيم والواقعيةِ السياسيةِ وشيء من هذه الخزعبلات، وعلى أن الغايةِ النبيلةِ من وراء قبولهم المشاركةَ مع المفسدين هو كبح جماح فسادهم، من أجلِ الإصلاحِ من الداخل وإبلاغِ صوتِ الساكنة لأصحاب القرار بهدف تحقيق التنمية، وما هي إلا الفرصةُ التي كانوا ينتظرُوها ويدعون بها في سِرِّهم، يلعبون دور الضحية المتعفف حتى جاءتهم على طبق من ذهب فكيف لهم أن يفوتها ويضيعوا على أنفسهم تذوق كعكة التسيير وحلاوة التعويضات وما دون ذلك، وما حالُهم إلا كما قال القائل: 
إذَا هَبَّتْ رِيَاحُك فَاغْتَنِمْهَا          فَإِنَّ لِكُلِّ خَافِقَةٍ سُكُونُ
وَإِنْ دَرَّتْ نِيَاقُك فَاحْتَلِبْهَا        فَمَا تَدْرِي الْفَصِيلُ لِمَنْ يَكُونُ