فؤاد السعدي يكتب.. قطاع التعمير بطنجة.. ما خفي كان أعظم

المستقل _ فؤاد السعدي

أصبح المشهد السياسي ومعه الإعلامي ملتبسا إلى حد ما بعاصمة البوغاز خصوصا بعد تحالف الكذب واللامعقول مع الصحافة، لحجب الحقائق وقلبها، لبلوغ مآرب شخصية وتحقيق مصالح فئوية واعتماد تقنية الاستغفال وتخطي مدارات المراقبة والمحاسبة.

فالكذب في الصحافة لا يهدف إلى الوصول إلى الحقيقة كيفما كانت نتائجها، بل إلى السطو عليها وإلغائها. فهو يجسد بذلك العلاقة الفاسدة بين القول والحقيقة في كل ما يُكتب أو يُنشر. لأن الكذب في عُمقه قناع يرتديه الصحفي أو السياسي لإقناع الآخر بفكرة ماكرة، ودفعه إلى الاعتقاد بها والتصديق بحقيقة ما ليست بحقيقة، أو حقيقة يراد بها قول الكذب والافتراء والتشويش. أما عدى ذلك فكل سقوط من دون قصد أو بلا خلفية فيدخل في صميم العمل الصحفي المعرض للخطأ تارة وللصواب تارة أخرى بحسب صحة المعلومة من عدمها. وكيفما كان الحال تبقى  مسؤوليتنا نحن معشر الصحفين قائمة في تنوير الرأي العام بالحقيقة الثابتة كما هي لا كما يردوننا أن نصرفها.

مناسبة هذا الكلام هو الخبر الذي انتشر كالنار في الهشيم على أعمدة مجموعة من المنابر الصحفية بطنجة حول  قضية الاطاحة بمسؤولة بالوكالة الحضرية بعدما تم رصد خروقات في قطاع التعمير -حسب الرواية- كشفتها التحقيقات التي باشرتها ولاية جهة طنجة تطوان الحسيمة مما أدى الى إحالتها على المجلس التأديبي. غير أن هذا الخبر عاري من الصحة ولا يعدو أن يكون مجرد ادعاءات كاذبة ومغرضة غايتها صرف الانتباه عن المتورطين الحقيقين في مسلسل الخروقات التي يعرفها قطاع التعمير بالمدينة استلزم معه تدخلا حازما للوالي امهيدية بعد تلقي تعليمات صارمة من وزير الداخلية.

لقد سقط مخرجوا هذه “الكذبة” سقطة مدوية وأبانوا عن قصور في تقدير الأحداث وغباء في نسج الحكايات خصوصا عندما زعموا أن التحقيق مع مسؤولة الوكالة الحضرية تمت مباشرته بولاية جهة طنجة تطوان الحسيمة، لنطرح السؤال التالي، ماهي الدوافع التي جعلت السلطة الولائية تتخذ هذا القرار، ولماذا تم التكتم على هذا الموضوع واستفراد أقلية من المنابر الاعلامية بالترويج له دون غيرها؟ 

فمن له المصلحة في المساس بسمعة مسؤولة الوكالة الحضرية المشهود لها بالنزاهة والمهنية؟ إن الإجابة على هذا السؤال سيقودنا بلا شك لمعرفة خلفيات وحيثيات هذه الإشاعة ومن ورائها من خلال سرد مجموعة من الوقائع المتسارعة تصب في مجملها في مجال التعمير بدءاً بفضيحة الرخص المزورة، ومرورا ببيان الكتابة الجهوية للاتحاد الاشتراكي والخروقات التي تطرق إليها، وانتهاءً بإشاعة خبر إعفاء المسؤولة بالوكالة الحضرية، لعلنا نهتدي إلى الخيط الناظم بين كل هذه الأحداث وبالتالي فك شفيرات هذه القضية “اللغز”.

وأما فيما يتعلق بواقعة الرخص المزور التي فجرها عمدة طنجة  فسنترك أمرها للقضاء لفك طلاسيمها للوقوف على بواطن الحقيقية. لكن يجب الاقرار مع كل هذا على أن خرجة هذا الأخير تضرب في العمق مجهودات الدولة في اخراج منصة إلكترونية قادرة على تكريس مبدأ الشفافية والنزاهة في معالجة الملفات، والقطع مع كل مظاهر الرشوة والمحسوبية والعبث والعشوائية والاختلالات العميقة التي كان يعرفها قطاع التعمير. وإلا فكيف تمكن العمدة من كشف وجود وثائق مزورة مستخرجة من منصة الرخص مع العلم أنه المسؤول الوحيد الذي يتوفر على مفتاح التوقيع “clé de signiature”؟ أم هي المنصة نفسها من تفتقد إلى الجودة اللازمة فيما يتعلق بحماية مستعمليها حتى يتمكن العمدة من كشف ثغراتها؟ ومع كل هذا يبقى الأمر غير مفهوم وغير واضح، والأدهى من ذلك أننا لم نسجل أي تحرك للجنة التفتيش المكلفة بالتعمير التابعة للمصالح المركزية لوزارة الداخلية من أجل التحري والتقصي فيما توصل إليه عمدة طنجة من رصد عملية تزوير وثائق التعمير في زمن قياسي؟

أما فيما يخص القضية الثانية المتعلقة بيان الكتابة الجهوية للاتحاد الاشتراكي وما تلاها من ردود الفعل وصلت الى حد اعتذار ادريس لشكر للوالي مهيدية بعدما تبين للاول أن بيان إخوانه بطنجة كان مجرد تصفية حسابات بين الممثل الأول للحزب بالمدينة والسلطة الولائية، سنفرد لها مقالا مفصلا للوقوف على جميع ملابساتها ومآلاتها ومن كان الخاسر الأكبر في حرب كسر العظم.

وبه نعود الى قضية خبر الاطاحة بمسؤولة الوكالة الحضرية، وسنفترض جدلا أن هذه الأخيرة فعلا تمت الاطاحة بها بعدما ثبت تورطها في خروقات جسيمة، في هذه الحالة ما مآل رئيسي قسم التعمير بكل من الجماعة والسلطة الإدارية؟

طبعا سيكون الإطاحة  بهما من دون شك على اعتبار أن الثلاثة هم المتدخلين الرئيسيين في مسطرة منح وثائق التعمير، وأن اي تقصير أو اهمال أو تفريط من أحدهم في ابدء الرأي وفي حالة رصد أي خرق يصبح جميعم معرضين للمساءلة وبدون استثناء. فلماذا شيع خبر اطاحة ممثلة الوكالة، وسُكت عن الباقين؟ أليس في الأمر شيء من “إن”؟ مَنْ مِن مصلحته ابعاد هذه الأخيرة والابقاء على رئيسيي قسم التعمير بالولاية والجماعة؟ وما هي الغاية من ذلك؟ ولمصلحة من تم حبك هذا السيناريو المكشوف؟

كلها تساؤلات وأخرى توحي على أن هناك مخططا يتجه نحو إبعاد ممثلة الوكالة الحضرية أو الضعط عليها بشتى الوسائل الكيدية واستمالتها من أجل تمرير ملفات مشاريع معينة لأسماء معروفة بسلاسة وأريحية. فمن لديه المنفعة في ابعادها؟ ولصالح من؟ هي الايام القادمة لوحدها الكفيلة بالاجابة عن هذه التساءلات. هذا دون أن نغفل مصير رئيس قسم التعمير بجماعة طنجة، بعد غضبة الوالي عليه وما إذا تحولت هذه الغضبة الى قرار كتابي بالاستفسار او التوقيف او بقيت مجرد ذر الرماد في العيون خاصة  أن الرجل لازال يمارس مهامه من داخل منصة الرخص من دون أن تحرك فيه “الغضبة” قيد أنملة، فهل يعلم الوالي بهذا الأمر؟ أم هي أدوار يلعبونها ويريدون منا تصديقها؟ وأين رئيس الجماعة من كل ما يقع؟ ولماذا لم يحرك ساكنا رغم أنه  المعني الرئيسي في كل ما يقع، ويفعّل تعليمات الوالي الشفوية في حق رئيس قسم التعمير ويصدر قرارا بإعفاء رئيس قسم التعمير؟ بالطبع لن يجرؤ بتحريك المسطرة لأنه يعلم جيدا ما معنى التخلي عن الرجل من حجم رئيس قسم التعمير الحالي المطلع على كل صغيرة وكبيرة بمدينة من حجم مدينة طنجة، وما معنى التخلي عن اختصاصات القسم كقسم التعمير رغم الاكراهات والصعوبات التي تقتضيها مهامه. لقد صدق من قال: “لي بغا لعسل يصبر لقريص النحل”. فعمدة طنجة لم يكتفي بالاختصاصات التي يخولها له القانون 14-113 المتعلقة بتدبير ميزانية الجماعة  ومصلحة الموارد البشرية وجسامة مسؤوليتهما بل تجاوزها عندما رفض تفويض اختصاص التعمير لأحد من نوابه مستأثرا به لنفسه لغاية لا يعرفها إلا هو والدائرون في فلكه. وتبقى خلاصة ما قيل أن عمدة طنجة هو من يتحمل مسؤولية ما يقع على اعتبار هو من يصدر الرخص وهو المسؤول عن تدبير المجال العمراني في المدينة وإصدار وثائق التعمير، وهو الوحيد من يستوجب محاسبته في حالة رصد أي خرق في هذا الباب، أما مسؤولية الوكالة الحضرية وقسم التعمير بالجماعة والولاية فلا تتعدي إبداء الرأي… يتبع