فؤاد السعدي يكتب.. مكناس.. هرطقات سياسية

المستقل _ فؤاد السعدي
لا يختلف اثنان أن خطاب السياسيين يجب أن يتسم بالعقلنة والموضوعية، بعيدا عن منطق الديماغوجية ولغة الخشب، بالنظر الى أهمية المراكز السياسية التي يشغلها هؤلاء في المشهد السياسي الوطني أو المحلي، والتأثير الذي قد يخلقه خطابهم لدى المواطنين، فقد يكون إيجابيا عند التزامهم بأصول العمل السياسي الهادف المبني على انتقاذ الذات عند الفشل في تدبير الشأن العام، أو سلبيا عندما يتراءى لهم أنهم تنقصهم أهلية العملية السياسية، وبأنهم يستثمرون في السياسة إما لحسابهم الخاص أو لتلميع تجربة سياسية فاشلة.
وهنا تكمن الخطورة، بحيث تعدو الثقة منعدمة في هؤلاء، أمام غياب خطاب سياسي رزين وموضوعي وواقعي، قادر على التأثير في المشهد العام مع ما يقتضيه الأمر من ضرورة التقيد بأخلاق سياسية وتنظيمية عالية يتم فيها استحضار المصلحة العامة ودرجة المواطنة، ومصلحة الوطن، لأن كل نزوع أو غلو في تسويق خطاب سياسي غارق في الهرطقات والديماغوجية لدغدغة المشاعر لا يخدم العملية التدبيرية في شيء، بل على العكس من ذلك، يشكل عامل نفور المواطنين من العمل الحزبي، ويعمق العزوف السياسي والهوة بين المواطن والساهر على تدبير الشأن العام.
مناسبة هذا الكلام هو خروج أحد نواب رئيس جماعة مكناس على “المباشر” بمنصة الفيسبوك للدفاع عن التجربة المتعثرة لمجلس باحجي والإجابة على مجموعة من الأسئلة التي تؤرق بال الساكنة المكناسية وتقض مضجعها خاصة فيما يتعلق بتوقف مجموعة من المشاريع التنموية ومشكل الإنارة العمومية والنقل العمومي والصراعات الحزبية الداخلية، وغياب الانسجام داخل مكونات المجلس، وشح مداخيل الجماعة وانسداد أفق تطويرها، والتدبير العشوائي والأحادي للشأن الجماعي وغيرها من القضايا الحارقة، التي عجز السائل عن إيجاد أجوبة آنية وشافية وواقعة لها، وفضل منطق الهروب إلى الأمام من خلال طرح اشكالات فرعية مرتبطة بغياب الالتزام والإنظباط الحزبي داخل مكونات الفريق الذي ينتمي إليه وهو الاتحاد الدستوري، معتبرا أن هذه الممارسة لا تمث للعمل السياسي بأية الصلة، وأن لا غاية من وراء مبتدعيها سوى بث الفرقة وخلق البلبلة بين أعضائه وهو ما قد يؤثر سلبا حسب المتحدث على عامل الانسجام داخل مكونات الأغلبية بشكل عام. غير أن الحقيقية التي غابت عن ذهن نائب الرئيس عكس ما ذهب إليه تماما خصوصا عندما أراد تعليق شمعة فشل الرئيس ومكتبه في تدبير الشأن الجماعي على سلوك عضو واحد من الأغلبية تعوَّد أن يتصرف وفق ما تمليه عليه قناعاته في انسجام مع المصلحة العامة، وأن الانضباط والإلتزام الحزبي لديه ينتفي عندما تكون هذه الأخيرة محط انتهاك ومساومة.
وهنا لا بأس أن نذكر النائب المحترم بأنه اتخذ نفس المنهج عندما صوت ضدا عن فريقه خلال الولاية السابقة في النقطة المتعلقة بمناطق الارتفاق، وعندما رفض أيضا مقاطعة فعاليات مهرجان مكناس ضدا على قرار فريقه. فأين كان وقتها الالتزام الحزبي والإنضباط السياسي أم أن منطق “الديب حلال الديب حرام” هو ما يتحكم في سلوك الرجل.
كان لازما على نائب الرئيس أن يتحلى بنوع من الشجاعة السياسية ويقر صراحة بفشل المكتب في تدبير المرحلة ويعلن رحيله، بدل طرح تبريرات لم تعد تنطلي على أحد، على اعتبار أنه جزء من هذا الفشل، وأن اسطوانة التلويح في كل مناسبة باستقالته وربطها بدعوة الجميع إليها هي مناورة مكشوفة لا مناص منها غايتها دعدغة المشاعر، لأن كل صاحب مبدأ راسخ عندما يخوض تجربة ما ويفشل فيها يقدم استقالته دون أن يربطها بعوامل خارجية.
وعندما نقول أن الالتزام الحزبي ينتفي بانتفاء المصلحة العامة، فلا نقولها من باب الدفاع عن أحد، ولكن من باب قناعة ثابتة على من ينهج هذا السلوك بالذات تكون مدينة مكناس ومصلحتها اولى أولياته قبل الحزب وقبل الفريق المكون للاغلبية. فهل يريد نائب الرئيس من زميله في الأغلبية أن ينضبط لقرار الفريق ويلتزم الصمت في قضية إقرار ميزانية لا تنضبط للقواعد المحاسباتية المؤطرة لإعداد ميزانية الجماعات الترابية، “عيب”. ويلتزم الصمت على فظاعة أشكال وأنواع وأنماط متعددة من الاختلالات والخروقات والانحرافات التي طبعت تدبير مجلس الجماعة، “عيب”. ويلتزم الصمت وهو يرى التراجع الكبير في تحصيل المداخيل مرورا بالتفريط في استخلاص العديد من الرسوم المستحقة للجماعة، وانتهاءً بانخفاظ المصاريف، “عيب”. ويلتزم الصمت في مآل 126 مليون سنتيم وأين تم صرفها؟ “عيب”. ويلتزم الصمت على الاختلالات الشكلية والجوهرية التي شابت برنامج عمل الجماعة، “عيب”. ويلتزم الصمت في قضية التمديد في الترخيص لشركة الالعاب باستغلال الملك العام ضدا في رغبة سلطة الوصاية، “عيب”. ويلتزم الصمت على ما يقع بالقسم التقني من خروقات خصوصا عندما خرج النائب المفوض له في ذات القسم وأقر بذلك صراحة، “عيب”. ويلتزم الصمت في القضية الذي شكلت ضجة في الشارع المكناسي المتعلقة بقرار استغلال الملك العام المؤقت المخصص لوقوف السيارات والدراجات وحراستها بمنطقة وليلي وغيرها كثير لا يتسع المجال لذكرها، “عيب”.
فإذا كان الصمت عن قول الحق يسبق الانظباط الحزبي والسياسي فلا جدوى من الممارسة السياسية أصلا، ولا خير فيمن يمارسها.. يتبع