فؤاد السعدي يكتب.. مجلس جماعة مكناس وسؤال الضمير

المستقل _ فؤاد السعدي

يعرِّفُ البعض، السياسة بأنها لعبة قذرة، لا مكان فيها للمبادئ والأخلاق، عُرفها، “الغاية تبرر الوسيلة”. وقد يكون الحديث عن ضمير الساسة وأخلاق السياسة مذموما أو غير مستحسن في العمل السياسي، ذلك أن السياسة، قرينة الدهاء والمكر والنفاق والخداع والضرب تحت الحزام عندما يتعلق الأمر بتحقيق المصالح وجني المكاسب وبلوغ المناصب بغض النظر عن مسؤولية الضمير وحكم الأخلاق.

والسياسية المتحررة من حكم الأخلاق والضمير تعني القدرة على استخدام كل الأساليب القذرة والبئيسة في ساحة الصراع للحسم والانتصار، وهنا يكون الخضوع الى الأخلاق والضمير سفها يعود على صاحبه بالخيبة والخسران.

ما نريده تحديدا من حديثنا هنا عن أخلاق السياسة وضمير الساسة هو ما تفرضه اللحظة العصيبة التي تمر منها مدينة مكناس، وخصوصا مجلس جماعتها وهو على مشارف المصادقة على مشروع برنامج عمل الجماعة وما تقتضي اللحظة من استحضار لضمير وطني حي وصادق في القول والفعل مع النفس والغير، ثم الإخلاص لهذا الصدق في السر والعلن، لأن الوثيقة على الرغم من أنها تتضمن خارطة طريق سياسة المجلس الجماعي في ما يتعلق بالتنمية المحلية، إلا أنها امتحان حقيقي لكل مكونات هذا المجلس وتعبير عن مدى انسجامهم مع قناعاتهم أولا، ونكرانهم لذواتهم أمام مصلحة المدينة ثانيا.

وهنا لن نتكلم عن وثيقة مشروع برنامج عمل كوثيقة مرجعية للجماعة لبرمجة المشاريع والأنشطة ذات الأولوية المقرر أو المزمع إنجازها بتراب الجماعة بهدف تقديم خدمات القرب للمواطنات والمواطنين، لأنه سبق وأن تطرقنا الى ذلك بالنقد والتحليل (اضغط هنا) ولكن سنعرج على زاوية أخرى لنكشف عن الطريقة التي تفاعل بها أعضاء مجلس الجماعة.

فأولي الضمير والأخلاق وصفوا الوثيقة بأنها لا تليق بتاتا أن يُعتد بها لما تتضمنه من اختلالات مسطرية وجوهرية مفضوحة، وأن المصادقة عليها، وتبنيها كورقة مرجعية خلال ست سنوات القادمة هو بمثابة خيانة للأمانة وللعهد والميثاق الذي قطعوه مع المكناسيين من أجل الدفاع عن مصالحهم بصدق وشفافية.

لقد أبان هؤلاء المستشارين الشرفاء خلال الجلسة الأولى من الدورة العادية لشهر ماي عندما امتنعوا/رفضوا المصادقة على الوثيقة عن حس عال من المسؤولية واخلاص كبير للإمانة، وأبانوا على أن روح “التمكنسيت” حرة لا تباع ولا تشترى، بل هي الأصل عند أبناء مكناس الحقيقين حيث لا تظهر إلا في الأوقات الصعبة. ولا نبالغ إذا قلنا بأن جلسة المصادقة على برنامج عمل الجماعة اليوم الخميس ستكون فارقة  بمعنى الكلمة.

أما الفئة الثانية، فهي ثلة من أصحاب المبادئ غير الثابتة، أو الفئة التي تتأرجح قيمها ومبادئها بحسب تأرحج المصالح والمكاسب والمغانم. فهي لا تجد غظاظة في وصف الوثيقة ب”الشيفون” بالأمس، واليوم تراها مصطفة في معسكر الرئيس للدفاع عن مشروع لا يحفظ للمدينة لا كرامتها ولا سمعتها ولا تاريخها، فهي حريصة على حفظ ماء وجه رئيسها فقط أكثر من حرصه هو نفسه عليه. فهم “حواريو” المصالح، أو الفئة التي تشكل خطرا على مستقبل المدينة خاصة وأنها تسعى الى تبني الوثيقة مع علمها المسبق بأنها لا تصلح لا شكلا ولا مضمونا، وأن اعتمادها كيفما كانت هو تمرير لمصالحها. لتبقى المصادقة على مشروع برنامج عمل الجماعة بشكله الآني هو بمثابة فضيحة كبرى وتجن على مدينة مكناس وجعلها محط سخرية واستهزاء.

فتموقع مثل هؤلاء وسط من يسمون أنفسهم سياسيين هو خسارة كبيرة للمدينة والوطن، وهنا نجد أن قواعد اللعبة السياسية قد انتفت ولم تعد هي الأساس بل الطمع والجشع والرغبة في السلطة أو بلوغ المناصب هي المحرك وليس البرامج والغايات الأسمى. وبالتالي كل الطرق والسبل التي تجعل الحفاظ على المكاسب واردة استخدامها، وأيضا كل الطرق المؤدية لها بغض النظر عن الضمير والأخلاق.

ثم تأتى فصيلة “الولائم”، أو ما يصطلح عليه الوجه البشع لنمط إلغاء القاسم الإنتخابي. فهؤلاء لا شرف ولا ذمة ولا أخلاق ولا ضمير لهم، فهم يتموقعون مع من يدفع أكثر، ولا يهمهم لا مصلحة المدينة ولا أهلها، فهم يرون في صفة مستشار جماعي فرصة لا يجب تضييعها أو إهدارها لأنها قد لا تتكرر. فهذه الفئة جاءت الى مجلس غريبة وسترحل غريبة. فلا طوبى للغرباء.

ليبقى السؤال المطروح، هل ستتم المصادقة على مشروع برنامج عمل الجماعة بعد رفضه في الجلسة الأولى مع العلم أنه لم يلحقه أي تغيير؟ فكل تغيير في المواقف لأي مستشار أياً كان، ستفسر بالتأكيد ضده خصوصا وأن المدة الزمينة التي تم اعتمادها من طرف الرئيس للنظر الى حجم الاختلالات الواردة في الوثيقة لتصويبها غير كافية، بالإضافة الى غياب مشروع منظومة التتبع والتقييم التي تحتوي هي الأخرى على مجموعة من العيوب إن على مستوى الشكل أو المضمون، سيأتي الحديث عنها لاحقا ليكتشف المكناسيون في أي مسنتقع وضع هذا المجلس مدينة مكناس.

خلاصة القول أن مشروع برنامج عمل مكناس أبان بما لا يدع مجالا للشك أن الرئيس جواد باحجي فشل فشلا ذريعا في تدبير جماعة مكناس، وأن المصادقة على هذه الوثيقة بهذه الحلة المعيبة هي خيانة لله وللوطن. فاتقوا الله أيها السادة المستشارون في مدينتكم واحفظوا الامانة التي أمنتم عليها من قبل المكناسيين، فالله .. الله يا مكناس.

يتبع…