جماعة مكناس.. زمن التملص من قول الحقيقة

المستقل _ فؤاد السعدي
“السياسة كذب و افتراء” هي مقولة شعبية رائجة يتداولها الناس ليقطعوا بها كلّ حديث عارض في الشؤون السياسية اليومية، وكأنّ هذه المقولة أصبحت بمثابة الملخّص لكلّ سلوكيات السياسة والسياسيين من جهة، وتنطوي، من جهة أخرى، على مضامين خطيرة أهمّها أنّ رجال السياسة لا عهد ولا ميثاق لهم، وأنّ السياسة لا تتوافق والأخلاق. ومن ثمّ قد يجوز استبعاد بعض القيم الأخلاقية من أجل تحقيق مكاسب ومغانم سياسية.
بهذا المعنى، قد نضفي على “الكذب والافتراء” بعض المشروعيّة الموضوعية إذا كانت مرتبطة أساسا بالمصالح والمنافع والمناصب. لأجل ذلك كلّه نتساءل فيما إذا كانت السياسة هي فعلاً مجالا للأكاذيب والإفتراءات؟ وهل تستدعي الممارسة السياسية نوعاً من الفضيلة الأخلاقية؟ ثمّ، لماذا يكذب السياسيون؟ هل من أجل تحقيق مصالح شخصية؟ أم من أجل غايات ذاتية أخرى تتعلّق بهوس السلطة وجاذبيّة المناصب؟
والحديث عن السياسة والكذب يجرنا في هذا المقام الى سرد واقعتين حصلتا خلال أشغال الدورة العادية لشهر ماي الجاري لمجلس جماعة مكناس بطلهما رئيس الجماعة نفسه، فأما الأولى فتتعلق بالمستشار الجماعي عن حزب الإتحاد الدستوري فريد بوحي الذي سبق له أن حاصر الى حد الإحراج الرئيس جواد باححي خلال الدورة العادية لشهر فبراير الماضي بمجموعة من الأسئلة الحارقة بخصوص تدبير مالية الجماعة. فبالرغم من أنه عضو في الأغلبية المسيرة إلا أن ضميره لم يسعفه للتغاضي عن الدفاع عن مصلحة المدينة. فكانت أسئلته بقدر ما هي شجاعة، بقدر ما تكشف في ثناياها العديد من علامات الاستفهام. وما كان رد فعل الرئيس سوى أن وعد المستشار بالإجابة عن كل استفساراته كتابيا، ليتفاجئ الجميع بعد ذلك خلال دورة ماي الأخيرة أن هذا الأخير لم يكاتب بوحي، وأن ما وعد به كان مجرد إدعاء وافتراء استعملهما ليداري خيبته وفشله وعجزه عن الإجابة المباشرة أمام الرأي العام. وبالتالي لم يجد بدّا من مخرج سوى الإفتراء. فما معنى أن يتملص رئيس جماعة مكناس من قول الحقيقة في دورة دستورية؟
وفيما يتعلق بواقعة الافتراء الثانية والتي جاءت ساعات بعد الأولى خلال نفس الدورة العادية، والمتعلقة باستفسار هشام بلقايد عن حزب “الأحرار” وهو مستشار جماعي ورئيس المجلس الإقليمي حول سبب عدم تأكيد الرئيس للشكاية المرفوعة ضد عبد الصمد الإدريسي المحامي بهيئة مكناس والمستشار الجماعي عن حزب العدالة والتنمية بتاريخ 14/06/2022 من أجل إهانة موظفين عموميين أثناء مزاولة عملهم وإهانة هيئة منظمة والتبليغ عن جريمة خيالية وبث وتوزيع ادعاءات ووقائع كاذبة بقصد التشهير، حتى يضطر وكيل الملك لدى المحكمة الإبتدائية بمكناس الى حفظ الشكاية. وهو ما اضطر رئيس الجماعة الى التملص من قول الحقيقة نافيا أن يكون هو من وقع الشكاية ضد عبد الصمد الإدريسي، ومؤكدا أن حزبه أي التجمع الوطني للأحرار هو من تكلف بموضوع الشكاية.
إنكار باحجي قول الحقيقة جعله يقع في مأزق كبير خصوصا أن كل المكناسيين يعلمون أن الشكاية كانت لفائدته بصفته رئيسا لجماعة مكناس ينوب عنه الاستاذ محمد الهيني محامي بهيئة الرباط. فهل هو افتراء الرئيس أم تفوق في الذكاء أكثر من اللازم؟ ما معنى أن يصدر مثل هذا السلوك من رئيس مؤسسة دستورية؟ أما بخصوص أسباب عدم تأكيد شكايته.. فهذا موضوع سنتطرق له في مقالنا اللاحق وبالتفاصيل الدقيقة حتى يعرف المكناسيون الى أي طينة ينتمي رئيس جماعتهم… يتبع.