فؤاد السعدي يكتب.. مكناس تَسْتغيثُ مَلكَ البلاد

المستقل _ فؤاد السعدي
إذا كان من السابق لأوانه إصدار حكم نهائي على طريقة عمل مجلس جماعة مكناس، فإنه، كما يقول المغاربة “إمارة الدار على باب الدار” أو “النهار الزين كيبان من صباحو”. فبعد أزيد من سنة ونصف من عمر هذا المجلس، يحق لنا أن نتساءل عن انجازاته وحصيلته، وما إن كانت الهيئات السياسية المشكلة لأغلبيته متجانسة وقادرة على الدفع بعجلة التنمية، وما إن كنا نتقدم أو نتأخر أو كنا نسير على الطريق الصحيح أم ليس هناك سوى طريق العشوائية والإرتجال.
فيكفي قراءة بسيطة لما يقع اليوم من عبث في تدبير الشأن الجماعي لنتأكد أن مكناس “منيضاش منيضاش” وأن ما بني على باطل فهو باطل، وأن المتآمرون عرفوا كيف يحكمون قبضتهم على شرايين تنمية المدينة وعصب حياتها. لن نكون مبالغين إذا بادرنا بالقول بأن ما يميز مجلس جماعة مكناس اليوم، هو إصراره على الدفع بالمدينة الى الحضيض، ما يعد نكوصا حقيقيا وخطيرا على المستوى السياسي والتدبيري.
إن المتتبع للوضع الشاذ الذي يعيشه مجلس باحجي سيدرك، وبلا شك، أننا، إلى جانب التراجع والنكوص، نعيش، وبشكل غير مسبوق، “التبرهيش” السياسي بكل معنى الكلمة، وممارسة سياسية أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها متشبعة بالكثير من النفاق والتملق و”لحيس الكابة”، ويكفي أن نذكر بأن الرئيس ونائبه الأول كانوا وحتى إلى وقت قريب أشد الخصوم، إن لم نقل أشرس الأعداء، وأن الثاني استعمل كل الاساليب والمناورات والمكائد لإزاحة الأول من على كرسي رئاسة المجلس، وأن الأول لم يتوانى بدوره في كشف ملفات سوء تدبير الثاني خلال المجالس السابقة وتشويه صورته لإظهاره على أنه لا يصلح ليكون في دكة التسيير. وها نحن نرى اليوم في مشهد سريالي أن الاثنين صارا سمنا على عسل، وجنبا إلى جنب في توافق وتناغم وانسجام تامين، بحيث أصبح الرئيس لا يخطو أدنى خطوة إلا بعد أخذ مشورة نائبه، والأخير أصبح يلعب دور الناصح الأمين لرئيسه، فسبحان مبدل الأحوال ومقلب القلوب.
باختصار شديد، نحن بمكناس أمام، من جهة، مجلس “تائه”، لكنه فاشل على مستوى الفعل، ومن جهة أخرى، أمام مجلس، يتسم بكثير من “التبرهيش” الذي يجسده كلام وسلوك ومواقف الرئيس، بمعنى إنه مجلس بعيد كل البعد عن هموم المواطنين وانشغالتهم.
المتتبع للشأن العام المحلي يتساءل اليوم عن السر وراء هذا التغيير المفاجئ في مواقف هذين الرجلين، وهل هي ” محبة لله” أم اتفاق على قسمة “الكعكة”؟ وهو ما يجعلنا نطرح السؤال فيما إن أصبح الانقلاب على المبادئ والأخلاق أمر طبيعي في السياسة، أم هي لغة المصالح من تضبط مواقف السياسيين وتوجهاتهم؟ وحتى وإن رفض البعض هذا المنطق، فهو بالنسبة للبعض الآخر سلوك طبيعي تمليه المصلحة عملا بمقولة “فين ما مالت نميل معاها”.
وما دام الشيء بالشيء يذكر نتسائل اليوم عن الغاية التي دفعت بمحمد القندوسي راعي الأحرار بالعاصمة الاسماعيلية إلى تبني موقف دعم باحجي وحرصه الشديد على بقائه رئيسا لجماعة مكناس رغم يقينه التام بأنه لن يقوى على هذه المهمة، وبأن منصب رئيس جماعة مكناس أكبر بكثير من إمكانيات باححي ومؤهلاته؟ وكيف روض الرجل ممثلي الاتحاد الدستوري والاستقلال للتنازل عن سحب ثقتهم في الرئيس؟ وهل في الأمر صفقة ما يخفيها هؤلاء على مكناسيين؟ وما هي قيمة المكاسب التي سيجنيها راعي حزب الأحرار بمكناس من كل هذا؟ لماذا لم يجرئ أي حزب من هذه الأحزاب على الخروج لتوضيح أسباب وخلفيات نقض العهد والتراجع عن اسقاط باححي؟ أسئلة وأخرى لازال الشارع المكناسي ينتظر الإجابة عنها؟
سيقول قائلا، إنه لا يعدو أن يكون سوى إجراء طبيعي لمسؤول سياسي كلفه رئيسه برعاية مصالح الحزب والحفاظ على مكتسباته حتى ولو كانت هذه المكتسبات ستقضي على مصير مدينة وترمي بها نحو المجهول. فالنجاح في هذه المهمة بالنسبة للرجل، وكيفما كانت التكلفة يعني تعبيد الطريق لحصد المكاسب سواء كانت على المستوى الوطني أو على المستوى المحلي. فهل نجح القندوسي في التقرب من مراكز القرار الحزبي وصار حلم بلوغ نجله الى منصب سامي أو وزاري أقرب من ذي قبل؟ هل بقاء باحجي على رأس جماعة مكناس فرصة سانحة لتسريع وثيرة الاستثمارات العقارية لمجموعة من أعيان المدينة ممن يبحثون عن رئيس مهزوز بأغلبية هشة لتمرير مشاريعهم؟ فإذا كان المكناسيون يعتبرون الرئيس الحالي ورطة لن تستقيم مدينتهم إلا برحيله، فأصحاب المال والأعيان يرون في الرجل “همزة” وحدهم يعرفون المكاسب التي سيجنونها من ورائه خصوصا بعد المصادقة على مشروع مخطط التهيئة الحضري، والفاهم يفهم.
مكناس المكلومة لا تنتظر معروفا لا من أعيانها ولا من منتخبيها ولا من مثقفيها ولا من إعلاميها ولا من فعالياتها الجمعوية، ولكن تنتظر عطفا مولويا ساميا من جلالة الملك القادر على اغاثتها من جشع الطامعين، ودسائس المتآمرين، وخيانة المنتخبين، فالغيث الغيث يا جلالة الملك… يتبع