فؤاد السعدي يكتب: جماعة مكناس.. بؤس التدبير

المستقل _ فؤاد السعدي
أثار غياب رئيس جماعة مكناس عن أشغال الدورة 19 للمجلس الإداري للوكالة الحضرية حفيظة المهتمين بالشأن العام المحلي، وخلق جدلا واسعا بين صفوفهم ليس لأنه سلوك مشين يضرب في العمق مصداقية مؤسسة دستورية فحسب، ولكن لأنه يمس أيضا بسمعة مدينة دأب كل من تولى تدبير شؤونها على احترام تاريخها وإعزاز أهلها، لا إهانتهم والاستهثار بشؤون مدينتهم كما فعل الرئيس الحالي للمجلس الجماعي الفاقد لبوصلة.
فلم يفوت الرجل أدنى الفرصة منذ تربعه على كرسي رئاسة جماعة مكناس كي يعبث بمصالح الساكنة من خلال الغيابات المتكررة عن العديد من المحطات الهامة التي يتم عبرها البث والتقرير في مصير المدينة ومستقبلها. وهو ما يطرح سؤال جدوى انتخابه رئيسا إن لم يلتزم بمسؤولياته التي انتخب من أجلها، وما إن كان التقصير في أداء واجبه يستوجب عزله ومحاسبته دستوريا وتاريخيا.
وهنا نعيد النقاش حول الأسباب الظاهرة والخفية وراء تشبث السلطة المحلية بهذا الرجل واصرارها القوي على بقائه جاثما فوق صدور المكناسيين، وتفويت الفرصة عليهم لإعادة اختيار رئيس جديد يليق بمكانة العاصمة الإسماعيلية عبر انتخابات جزئية ما دامت كل الظروف الموضوعية والشروط القانونية وقتها كانت مكتملة وسانحة لذلك، تماما كما كان الشأن بالنسبة للعديد من الجماعات الترابية بالمملكة.
صحيح أن وزارة الداخلية نجحت عبر أجهزتها اللامركزية في تنزيل مخطط التخلي عن العتبة الإنتخابية الذي أعطى الفرصة لمن هب ودب للترشح، وتكريس منطق البلقنة وانتاج مجالس منتخبة متحكم فيها وفاقدة للرؤية والتصور في كل المدن المغربية، لكنها في الوقت نفسه ضيعت على الدولة فرصة تنمية مدنها وجهاتها.
لم نسجل على المكناسيين أي رغبة بقدر رغبتهم في رحيل باحجي عن دكة تدبير المجلس الجماعي بعدما اكتشفوا أنهم كانوا ضحية وعود كاذبة في مسلسل تضليلي لحزب بصم حملته الإنتخابية السابقة بشعار “تستاهل ما حسن” من التفقير والتهميش والإهانة والاستهتار. صحيح أن المواطن المكناسي مدرك تماما لنتيجة إختيارته، وواع بضرورة تحمل مسؤولية هذا الإختيار، لكن ليس لدرجة التآمر عليه، وجعله أداة في أيادي أشخاص تستغله لتحقيق المكاسب وتحصيل المناصب، وهو ما سنعمل على كشفه في مقالتنا القادمة التي سنكرسها لفضح المستور من هذه المؤامرة الدنيئة.
وحتى نضع المكناسيين في الصورة، ونؤكد لهم أن لا خير يرجي من هذا الرئيس ومن معه في المكتب سواء اليوم أو غدا، لا بأس أن نطرح السؤال حول ماهية شروط الرئيس الناجح؟ ولعل أهم شرط يتجسد في عملية التواصل. فمادام رئيس جماعة مكناس قد قدم وعودا انتخابية للساكنة، ونال بعد ذلك ثقتها، وشرف تدبير شؤونها، فينبغي عليه أن يخصص الوقت الكافي للاستماع إليها، والتدخل فيما يدخل ضمن صلاحياته لمعالجتها. فهل يستقبل الرئيس مواطني العاصمة الاسماعيلية ويستمع لمطالبهم؟ بالطبع لا.
رئيس المجلس الناجح هو ذاك الذي يقوم بزيارات دورية لمختلف المصالح التابعة للجماعة الترابية، للوقوف عن مدى احترام الموظفين للعمل، وواجباتهم، وكيفية أداء المهام المنوطة بهم، وكذلك الوقوف على ظروف عملهم لتطوير الشروط المرتبطة بأجواء ملائمة لممارسة الشأن الإداري. فهل يقوم الرئيس بهذه الزيارات لمصالح الجماعة؟ بالطبع لا.
الرئيس الناجح هو الذي يخصص وقتا يوميا للتجول في المدينة، والوقوف على كيفية اشتغال الشركات المكلفة بإنجاز المشاريع التنموية. والوقوف كذلك على سير أشغال مصالح جماعته كالنظافة والإنارة والرياضة وغيرها من المهام الجماعية، وتحديد أوجه التقصير وربطها بالمحاسبة، وإيجاد الحلول المناسبة. فهل يقوم الرئيس بهذه الجولات اليومية؟ بالطبع لا.
الرئيس الناجح هو الذي يتوفر على لوحة قيادة مدروسة مرتبطة بالتدبير الجماعي والحكامة الجيدة بعيدا عن الارتجالية والعبثية وقرارات آخر لحظة. فهل يتوفر الرئيس على مثل هذه اللوحة في غياب برنامج عمل الجماعة الذي لم ير النور بعد ونحن مقبلون على نهاية السنة الثانية من عمر الولاية الجماعية. فهل نجح رئيس جماعة مكناس في اعداد استرتيجية عمل ناجعة لتحقيق التنمية؟ بالطبع لا.
فإذا كان مهندسو “البلوكاج” الجماعي قد ابتلعوا اليوم ألسنتهم بعدما ضمنوا بعضا من الإمتيازات وحصلوا على جزء من المكاسب، فهذا لا يعني أن القصة قد انتهت، بل على العكس قد أشرفت على بدايتها، فالجميع ينتظر نتائج هذه التوافقات، أو بعبارة أدق مردود الصفقة التي تمت بين باحجي والأغلبية المعارضة الى وقت قريب، ومن ضامنها وبأي ثمن؟ وهل ستنعكس هذه التوفقات على مستقبل المدينة أم على جيوب المتوافقين؟… يتبع