فؤاد السعدي يكتب.. في انتظار برنامج عمل.. الواقع المالي المزري لجماعة مكناس

المستقل _ فؤاد السعدي
إذا كان لغياب الفعالية والنجاعة الرقابية تبعات سلبية على التدبير الإداري لجماعة مكناس، فإن تأثيرات وتداعيات قصور النظام الرقابي على التدبير المالي بهذه الجماعة أدهى وأمر، وأكثر وقعا وهولا على التنمية المحلية وعلى الحكامة الترابية عموما. حيث أن الجماعة لا تعرف أخطاء واختلالات مالية وانحرافات في الميزانيات من المستوى الاعتيادي المألوف، بل يحدث فيها أحيانا من السلوكيات والأفعال والتصرفات ما يمكن تصنيفه ضمن الجرائم المالية. هذا فضلا عن كون الممارسة والتجربة الواقعية قد أثبتت أن الأصل في التدبير المالي -وبدون مبالغة- هي الاختلالات والعلل والنواقص المتعددة، وهو ما قد يفرز واقعا محليا سيئا، عليلا ومختلا، يسوده الفساد المالي بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
والدليل على ذلك ما كشف عنه بيان حصر وتنفيذ ميزانية السنة المالية 2022 التي تم عرضه للمناقشة خلال أشغال الدورة العادية لشهر فيراير الماضي أو “دورة تعرية هشاشة تدبير باحجي لجماعة لمكناس” من غموض وارتجال ومغالطات وصلت الى حد التدليس في إقرار ميزانية لا تنضبط للقواعد المحاسباتية المؤطرة لإعداد ميزانية الجماعات الترابية، إذ يكفي إلقاء نظرة مقتضبة على هذا البيان للوقوف على فظاعة أشكال وأنواع وأنماط متعددة من الاختلالات والخروقات والانحرافات التي طبعت تدبير مجلس الجماعة بقيادة التجمع الوطني للأحرار خلال سنة ونصف، بدءا بالتراجع الكبير في تحصيل المداخيل ومرورا بالتفريط في استخلاص العديد من الرسوم المستحقة للجماعة، وانتهاءً بانخفاظ المصاريف. لتكون بالتالي هذه الوثيقة بمثابة السقوط السياسي والأخلاقي لحزب رئيس الحكومة في تدبير الشأن المحلي المكناسي، وعنوانا بارزا لبداية الاحتضار السياسي لجواد باحجي على رأس جماعة مكناس.
فرئيس جماعة مكناس لم يدلي للجنة المالية بالوثائق الكاملة عن تنفيذ الميزانية لسنة 2022، التي تكشف حقيقة الفائض المزعوم المقدر ب 47 مليون درهما معتمدا في ذلك عن طرق تجعل الميزانية تبدو أفضل من الواقع من خلال تقليص النفقات، وهو ما قد ينعكس سلبا على الخدمات العامة، دون الحديث عن أن الرجل يدبر هذا الفائض بطريقة عشوائية دون إخضاعه لقرار جماعي.
لقد وضع باحجي نفسه في مأزق كبير عندما رفع سقف المداخيل التقديرية بالاعتماد على معطيات خاطئة ليجد نفسه في آخر المطاف أمام مطرقة انخفاض المداخيل وسندان الحفاظ على الفائض بخفظ النفقات وعدم الادلاء بالالتزامات المالية الإجبارية المقدرة ب 34 مليون درهم، وهو ما سيؤدي للأسف الشديد الى تفاقم المشكلات المالية للجماعة على المدى البعيد، وتراكم الديون بشكل غير مرئي، وبالتالي عجز الميزانية وتدهور خدمات الجماعة. بمعنى آخر أن رئيس جماعة مكناس قام بتدليس الحقائق في الميزانية بتقديرات خاطئة، وعندما عجز عن تحقيق المداخيل المتوقعة، وبدلاً من الإعتراف بذلك وتحمل المسؤولية، قام بخفظ النفقات للحفاظ على فائض “مزيف” في الميزانية. وهو ما يعتبر تلاعبا بمصالح المكناسيين والضحك على ذقونهم. فالحقيقة التي يتفادى الرئيس كشفها هي أنه رغم كل هذه المناورات إلا أنه عجز عن بلوغ الفائض التقديري المبرمج في ميزانية أكتوبر 2021 بنسبة ناقص 9 مليون درهما، ما يعني أنه عازم على إغراق سفينة الجماعة بشتى الطرق إن عاجلا أم آجلا.
لقد جرت العادة أن التحويلات المالية بين الفصول داخل ميزانية الجماعة لا تتم إلا إذا كانت مبررة ومنطقية وبموجب إجراءات إدارية محددة وشفافة، ولأغراض معينة ومضبوطة، مثل تمويل مشروع معين أو تغطية نفقات عاجلة في فصل معين من السنة المالية. الطامة الكبرى هي عندما يقوم رئيس جماعة مكناس بتحويلات مالية بين الفصول دون وجود مبررات واضحة أو دون اتباع الإجراءات الإدارية المطلوبة فهذا يدل على عدم وجود تخطيط مالي جيد. أما المصيبة الأكبر هي عندما لا يتم استخدام هذه التحويلات في نهاية المطاف، فهذا يعني العبث بعينه وبأن هذه التحويلات تم إجراؤها بطريقة عشوائية ودون وجود خطة واضحة لاستخدامها، مما يؤدي إلى تقليل فعالية إدارة الجماعة.
فعندما نقول بأن وثيقة حصر وتنفيذ الميزانية للسنة المالية 2022 موجبة لحل المجلس وعزل الرئيس لا نقولها من باب المزايدة السياسة أو من باب التجني على الرئيس وأغلبيته، ولكن بالنظر الى العديد من الخروقات الواضحة التي شابت إعداد هذه الميزانية، لعل أبرزها إحتوائها على العديد من الأخطاء على مستوى الشكل، أضف الى ذلك إلغائه ل61 فصل في باب النفقات الشيء الذي يهدد السير العادي لمصالح الجماعة، نذكر بعضها على سبيل الحصر ونبدأ بالفصل المتعلق بالصيانة الإعتيادية للطرقات الذي خصص له اعتماد مالي يقدر بأزيد من 6 مليون درهما تم إلغاء 4 ملايين درهما منه في الوقت الذي ما فتأت ساكنة مكناس تشتكي من الحالة المزرية للطرقات في حين بقي مصير 2 مليون درهما مجهولا لا نعلم مصير صرفها. أضف الى ذلك الفصل المتعلق بالتعويضات عن الضرر لصالح الخواص المخصص الذي فتح له اعتماد بمبلغ 400 مليون سنتيم تم إنفاقه دون العلم بنوع الضرر وطبيعة هؤلاء الخواص الذين استفادوا من هذه المبالغ ووفقا لأية معايير. ونأتي أخيرا على الفصل المسمى “اتعاب” الذي خصص له الرئيس اعتماد مالي يزيد عن 36 مليون ستنيم تم صرفه بالكامل دون العلم بالجهة التي استفادت من هذه الأموال. ليبقى السؤال المطروح اليوم أمام حجم كل هذه الانحرافات والاختلالات أليس حريا بالمفتشية العامة لوزارة الداخلية والمجلس الأعلى للحسابات بأن تتحرك؟