مكناس وملف الإنارة العمومية.. أو عندما يستنجد غريق بغريق

المستقل _ فؤاد السعدي

في ظل التفكُّك والانهيار الذي يعيشه مجلس جماعة مكناس، وتشرذم أغلبيته، وفي ظل التيهان والشطط في تدبير الشأن المحلي، وفي غياب الوضوح اللازم في صرف أموال دافعي الضرائب، ومع ضبابية المشهد التنموي للمدينة، ومع وجود رئيس فاشل، هل يمكن لجماعة مكناس أن تقوم لها قائمة من جديد، وتكون في مستوى الرهانات والتحديات؟

فإذا كان جواد باحجي المنتمي لحزب أخنوش قد فشل في تحقيق وعود حزبه في أننا “نستهلو ما حسن”، فإنه  بلا شك نحج في توحيد كلمة المكناسيين حول مسألة واحدة، وهي أنه أضعف رئيس جماعة عرفته العاصمة الاسماعيلية سواء على مستوى التواصل أو على مستوى التدبير والتسيير، ولا نستثني في هذا بعضا من نوابه.

فأن يقوم النائب السادس المفوض له في قسم الأشغال والإنارة العمومية بمعية وفد مكون من أزيد من عشرة أفراد  من بينهم نواب ومستشارين وأطر إدارية بزيارة استطلاعية لمدينة سلا من أجل الوقوف على تجربة شركة التنمية المحلية لتدبير الإنارة العمومية المسماة “سلا نور”،  مع علمهم المسبق أن الفرقة الوطنية تباشر بشأنها تحقيقا استناد على تقرير أعدته المفتشية العامة للإدارة الترابية والمجلس الجهوي للحسابات بخصوص إختلالات وملاحظات تتعلق بالتدبير الإداري والمحاسباتي فهذا يعتبر منتهى الإستخفاف بذكاء المكناسيين والضحكٌ على ذقونهم.

ألا يعلم البوكيلي أنه قبل اعتماد أي نمط للتدبير يستحسن إنجاز الدراسات القبلية الضرورية وتحديد الاحتياجات والتكلفة المعقلنة وإنجاز توقعات مالية متوازنة من خلال حاجيات التمويل والموارد، واختيار نمط التدبير أو التسيير الملائم من أجل ديمومة الشبكات والتجهيزات المنجزة، واعتماد اتفاقية أو عقود مضبوطة ومتوازنة وأشياء أخرى من قبيل إعداد تشخيص دقيق للوضعية الراهنة التي آلت إليها الإنارة العمومية بمكناس، أم أنها صله الرحم مع الأصهار ما جعلته “يسبق العصا قبل لغنم”.

ألا يدري النائب السادس أن وزارة الداخلية سبق وأن سجلت وجود نواقص وإكراهات عديدة تعتري تدبير الإنارة العمومية، سواء على مستوى التدبير المفوض كما في الدار البيضاء والمحمدية وعين حرودة، أو على مستوى التدبير بوسطة شركة التنمية المحلية كما هو الشأن في مدن مراكش وسلا التي كلف نفسه زيارتها وهو على إطلاع مسبق أنها تجربة فاشلة. ألا يدري أن الأولوية الآن التفكير في إيجاد موارد مالية لتسديد الديون المستحقة لفائدة الوكالة المستقلة لتوزيع الماء والكهرباء بمكناس وتدبير الوضعية الراهنة بما هو متوفر الى غاية خروج مشروع الوكالات الجهوية التي تشرف عليه وزارة الداخلية والذي سيكون لا محال بديلا لكل هذه النماذج التي أبانت التجارب عن محدودتها وفشلها. ألا يعلم النائب السادس أن مجلس بوانو سبق وأن صادق بالإجماع على مقرر يقضي بتفويض تدبير الانارة العمومية لشركة خاصة مع دراسة مستفضة حول الملف؟ فما يقوم به النائب المفوض له في قطاع الاشغال والإنارة مع كل هذا شيء من اثنين، إما إنه غير مبدك لحساسية الوضع العام بالمدينة الغارقة في الضلام، وإما أن المسؤولية التي أسندت له لتدبير هذا القطاع أكبر منه، وإما إنه يسعى  إلى إدخال جماعة مكناس في متاهات أكثر مما هي فيه.

لقد أضحت الصورة واضحة اليوم بما فيه الكفاية مع الظلام الحالك الذي أطلت منه مكناس النازفة، ومكناس الجريحة والصابرة، على أن من يمسك بزمام تدبير شؤونها تنقصه الكفاءة والخبرة، وأن المدينة تحتاج الى أفكار خلاقة وتدابير استعجالية وليس إطلاق الكلام على عواهنه. مكناس اليوم لا تحتاج الى عاطل عن العمل ليدبر شؤونها،  أو الى عاطل عن الحياة،  أو عاطل عن التفكير والإبداع، أو عاطل عن الوجود والتصور، أو العاجز عن الانخرط في المشكلات الحقيقة والآنية، بل تحتاج لمن يكن شغله الشاغل المدينة وهموم ساكنتها، وليس السفر والاستجمام، الذي لا طائلة من ورائه، سوى ذرّ الرماد في العيون، أو توهيم المكناسيين بأنَّ نواب رئيس مجلس جماعتهم أحياء يأكلون ويمشون ويمرحون، رغم أنَّ لا حياةَ لمن تُنادي.

يبدو أنّ الممارسة السياسية بمكناس لا تخضع إلى الصرامة، بقدر خضوعها إلى الكياسة والحكمة، التي تقتضي التعامل مع الموجود والتحلّي ببعد النظر، الذي يرتبط بدوره بحسابات استراتيجية وليس على منطق الخطابة ودغدغة مشاعر الناس. والسياسي بهذه الكيفية يحتاج إلى ما يسمّيه الفارابي “التعقّل” و”جودة الرويّة” وليس الى التضليل والإذلال. فرجاءً أيها السياسيين لا تستخفوا بعقول المكناسيين.