”كوكايين أصيلة”.. كواليس محاضر الدرك تفجر مفاجآت ثقيلة ورعاية سياسية بارزة

شهدت مدينة أصيلة تطورات قضائية متسارعة إثر توقيف فاعل جمعوي ورئيس جمعية مهنية لأرباب قوارب الصيد التقليدي، بعد حجز كمية ناهزت 817 إلى 820 غراما من مخدر الكوكايين بداخل سيارة كان يستغلها بمرأب محطة وقود بجماعة أحد الغربية ضواحي المدينة. وقد استأثرت هذه النازلة باهتمام واسع وسط تقارير صحفية رجحت وجود خلفيات وحسابات سياسية وانتخابية مرتبطة بحضور المعني بالأمر الوازن خلال الاستحقاقات السابقة واللاحقة بالمنطقة.
وفي هذا السياق، برزت تطورات سياسية مرتبطة بملف الدفاع عن الموقوف، حيث كشفت مصادر إعلامية أن الأمين الجهوي لحزب الأصالة والمعاصرة بطنجة قد بادر إلى تكليف محامي الحزب بنفسه لتولي مهمة الدفاع المؤازرة عن رئيس جمعية البحارة المتابع في هذه القضية.
وتأتي هذه الخطوة، بحسب المصادر ذاتها، كإشارة واضحة على عدم تخلي قيادة الحزب عن المتعاطفين معه والمحسوبين على خريطته الانتخابية، خصوصا أن المعني بالأمر كان عنصرا نشيطا وبارزا في المحطات الانتخابية السابقة واستطاع حشد رصيد صوته الانتخابي الوازن لفائدة حزب “البام” بدائرة أصيلة، وهو ما يضفي على المؤازرة القانونية أبعادا تتجاوز الإطار المهني البحت لتتقاطع مع حسابات الدعم السياسي والتضامن الحزبي.
وإذا كانت التقارير الإعلامية والسياسية قد وقفت مطولا عند هذه الواجهة، فإن الغوص في تفاصيل محاضر البحث التمهيدي المنجزة من طرف القيادة الجهوية للدرك الملكي بطنجة وتحت إشراف النيابة العامة بابتدائية أصيلة يكشف عن وقائع دقيقة لم تبسط بالشكل الكافي جنبا إلى جنب مع رصد ثغرات وعيوب مسطرية تضع المشروعية القانونية للبحث محط نقاش واسع.
وتنطلق أطوار النازلة حسب محاضر الدرك الملكي بتاريخ 26 أكتوبر 2026 على إثر تلقي مصلحة المواصلات السلكية واللاسلكية مكالمة هاتفية عبر رقم النداء المخصص من شخص مجهول يفيد بتواجد سيارة سوداء اللون من نوع “فولكسفاغن تيروك” متوقفة بمحطة الوقود سيبسا بأحد الغربية ويشتبه في احتواءها على كمية مهمة من المخدرات. وبناء على تعليمات نائب وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بأصيلة، انتقلت دورية إضافية وعناصر الدرك إلى عين المكان حيث وجدوا السيارة مركونة بمرأب المحطة وخالية من أي شخص، ولحظات بعد ذلك تقدم صاحب السيارة وصرح لهوية العناصر بأنه المعني بالأمر، ليتم إشعاره برغبة العناصر في إجراء تفتيش للمركبة بعد الإدلاء بأوراقها وثائقه الشخصية وهو الإجراء الذي وافق عليه بطوعه حسب المحاضر.
وأثناء عملية التفتيش الدقيق وبحضور المعني بالأمر الذي ظهرت عليه علامات الارتباك والانفعال بحسب التحريرات، عثرت عناصر الدرك تحت المقعد الأمامي الأيمن المحادي لمقعد السائق على خزان سككي بلاستيكي صغير الحجم وبتفتيشه تم العثور على رزمتين ملفوفتين بغشاء سلوفان ذي لون يميل للوردي الفاتح تبين لاحقا أن بداخلهما مسحوق أبيض ثبت بالخبرة التقنية أنه مخدر الكوكايين بوزن إجمالي بلغ 817 غراما. كما أسفر التفتيش عن حجز مبلغ مالي قدره 14200 درهم مكون من 71 ورقة بنكية من فئة 200 درهم موضوعة في علبة القيادة الوسطى، فضلا عن ثلاثة أختام بلاستيكية تعود للجمعية والتعاونية التي يترأسها الموقوف.
وأظهر التقاطع بين المقالات الصحفية والوثائق المسطرية الرسمية وجود تفاصيل جوهرية غابت تماما عن التناول الإعلامي، وتتجلى في طبيعة ودفوعات المرافقين لحظة التوقيف حيث لم يكن المشتبه فيه بمفرده ساعة التوقيف بل كان بمعية شخصين من معارفه وزملاء قطاع الصيد البحري، واللذين استمعت إليهما الضابطة القضائية وأكدا أنهما صاحبا دعوة غذاء ولم تكن لهما أي دراية بما تحمله السيارة. فضلا عن لغز الهاتف النقال المختفي حيث كشف الملف عن واقعة مثيرة تتعلق بهاتف الموقوف الذكي الذي تركه فوق طاولة الطعام فور تقدمه لتلبية نداء الدرك، وأفادت المحاضر بأن أحد المرافقين عمد إلى أخذ الهاتف وسلمه لشخص ثالث التحق بالمكان، ورغم اعتراف الأخير بتسلمه للهاتف ووضعه بسيارته إلا أنه عاد ليدعي اختفاءه في ظروف غامضة عند الوصول لمقر الدرك وهو ما حرم البحث من تفريغ البيانات الرقمية الحية ساعة التوقيف.
إضافة إلى الملكية الحقيقية للسيارة حيث أكدت محاضر البحث أن السيارة المسجلة لا تعود ملكيتها للمشتبه فيه بل هي في ملكية شركة تجارية، والصرح مسيرها رسميا بأنه وضعها رهن إشارة الموقوف منذ أكثر من سنة على سبيل الصداقة والتعاون التجاري دون مقابل وأن الأخير يتكفل بمصاريفها. فضلا عن أطروحة المكيدة والانتقام المهني حيث صرح الموقوف تفصيليا في محاضر الاستماع بتعرضه لمؤامرة مدبرة يقف وراءها خصوم مهنيون قدامى، مدعيا أن سيارته تعرضت لتربص وتعمد عرقلة طريقيها ليلتين متتاليتين أمام منزله بواسطة سيارة أخرى لإجباره على ركنها بعيدا عن كاميرات المراقبة المثبتة بالجوار.
وتتيح قراءة محاضر الضابطة القضائية رصد عدة ثغرات محتملة قد تشكل أساسا للدفوع الشكلية لهيئة الدفاع أمام قاضي التحقيق، وأبرزها غياب البصمات وانعدام القرينة المادية المباشرة حيث أثبت تقرير التشخيص القضائي الصادر عن القيادة الجهوية للدرك الملكي بطنجة صراحة خلو رزمتي المخدرات المحجوزة من أية بصمات أصابع نظرا لأن الغلاف البلاستيكي الملفوف بهما خشن ومنكمش وغير قابل لحمل البصمات، وهو ما يضع ركن الحيازة المادية المباشرة المقرونة بالأثر البيولوجي محط تساؤل قانوني لاسيما وأن السيارة في ملكية الغير ويستغلها آخرون.
إلى جانب الاعتماد على إخباريات مجهولة غير معضدة حيث انطلقت مسطرة التفتيش بناء على مكالمة هاتفية من مصدر مجهول عبر خط النداء، وتثار إشكالية مدى توفر شروط التلبس القانوني السليم في غياب التحقق الميداني المسبق لاسيما وأن الموقوف سبق وأن تعرض لتفتيش مماثل ومفاجئ بميناء أصيلة قبل ذلك بيوم واحد فقط بناء على وشاية هاتفية مماثلة ثبت عدم جدواها. فضلا عن التضارب والاضطراب في تصريحات الشهود والمرافقين حيث سجلت محاضر الاستماع تضاربا بينا وتراجعا صريحا في أقوال المرافقين وشخص آخر بخصوص تسليم وتسلم واختفاء الهاتف النقال للمشتبه فيه وتواجد أشخاص آخرين وهو الاضطراب الذي يضعف القيمة الإثباتية لبعض محاضر الاستماع التمهيدي.
علاوة على إشكالية سلسلة حفظ أدلة الإثبات حيث إن ضياع أو اختفاء الهاتف النقال الخاص بالمشتبه فيه داخل محيط البحث وبحضور أطراف متعددة حرم العدالة من أداة تقنية بالغة الأهمية لتفريغ الاتصالات والرسائل الفورية ساعة التوقيف مما يعتبر نقصا في تجميع القرائن التقنية المتكاملة. وتظل هذه المعطيات والعيوب المسطرية محط أنظار قاضي التحقيق لدى المحكمة الابتدائية بأصيلة بعد إحالة الملف عليه إثر التقديم أمام النيابة العامة، وتبقى كلمة الفيصل مرتبطة بمدى قدرة الخبرات التقنية الجارية من تفريغ كاميرات المراقبة وخبرات الهواتف والتحريات المحيطية على جلاء الحقيقة والفصل بين فرضية ثبوت جريمة الحيازة والترويج وبين أطروحة المكيدة المصطنعة.