من خذلان الإخوة إلى خذلان المغاربة.. حين يفقد “المصباح” صوته المعارض

بقلم | فؤاد السعدي
حين تسقط الأقنعة وتصطدم الشعارات الرنانة بمحك الواقع، تتبخر ادعاءات الطهارة السياسية ونصرة المستضعفين. وما تفاعلات المشهد السياسي الأخير سوى مرآة كاشفة لعمق أزمة تنظيم سياسي أدمن ازدواجية الخطاب، وتفنن في مخاطبة الشارع بشعارات كبيرة، سواء عبر الترافع عن القضايا العادلة، أو عبر تقديم نفسه مدافعا عن المظلومين، بينما يكشف سلوكه داخل المؤسسات عن صورة مغايرة تماما، عنوانها التخلي عن أبسط روابط التضامن الحزبي عندما تقتضي المواجهة موقفا واضحا وشجاعا.
ففي الوقت الذي يرفع فيه حزب العدالة والتنمية شعارات الدفاع عن المظلومين ومواجهة الحكومة، جاء المشهد البرلماني الأخير ليضع الحزب أمام اختبار حقيقي، بعدما لم يتردد نائب رئيس الفريق، عبد الله بووانو، في مطالبة زميله عبد الصمد حيكر بسحب عبارة “الخطاب البئيس”، إثر السجال الذي اندلع بين هذا الأخير ووزير العدل عبد اللطيف وهبي. والمفارقة أن حيكر كان ينتقد خطاب الوزير ومضمون تعاطيه مع النقاش التشريعي، ولم يكن يوجه إليه إهانة شخصية. وبالتالي منذ متى أصبح وصف خطاب وزير بالبئيس تجاوزا لا تحتمله المؤسسة التشريعية؟ وهل تحول انتقاد الخطاب الحكومي والنصوص التشريعية إلى مخالفة تستوجب أن يتولى رئيس الفريق إسكات نائبه قبل أن يفعل ذلك خصومه؟
لعل بووانو رغم أقدميته بالمؤسسة التشريعية لم يستوعب بعد أن الفرق بين انتقاد الشخص وانتقاد خطابه ليس تفصيلا لغويا عابرا، بل هو جوهر العمل البرلماني. فالوزير، مهما كان موقعه، ليس فوق المساءلة، وخطابه ومواقفه ومشاريعه التشريعية ليست محصنة من النقد، حتى وإن جاء هذا النقد حادا. والبرلمان لم ينشأ ليكون فضاء للمجاملات وتبادل عبارات الثناء، بل ليكون ساحة لمواجهة السياسات الحكومية وكشف تناقضاتها. وإذا كان من حق وهبي أن يعترض على توصيف حيكر، فمن حق هذا الأخير أيضا أن يدافع عن تقييمه السياسي، دون أن يتحول الخلاف حول العبارة إلى مناسبة لتطويق صوت المعارضة من داخلها.
لكن الأكثر سخرية في هذا المشهد أن وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، انتفض مطالبا المعارضة بـ”رفع مستوى الحوار”، وكأن فريق العدالة والتنمية هو من يتحمل وحده مسؤولية تراجع مستوى النقاش البرلماني، وكأن الذاكرة السياسية والمؤسساتية لا تحتفظ بسجل من التصريحات والنعوت المثيرة للجدل التي صدرت عن الوزير نفسه في مناسبات مختلفة من قبيل عبارات “الموسخ” و”الزمر” وسقطات أخرى تحفظها الذاكرة البرلمانية. وهنا تبرز المفارقة التي تستحق التوقف عندما وطرح التساؤلات من خلالها، كيف لوزير راكم مواقف وتصريحات أثارت انتقادات واسعة، من بينها استعمال أوصاف مستفزة في حق خصومه، أن يتحول فجأة إلى أستاذ يوزع دروسا في أخلاقيات الحوار على المعارضة؟ والأغرب من ذلك أن تمر هذه “الأستاذية” دون رد حازم من قيادة فريق “البيجيدي” التي يفترض أنها في موقع المواجهة والمساءلة.
لقد بدا تدخل بووانو، في تلك اللحظة، وكأنه قبول بدرس الوزير، بل وتراجع أمام ضغطه، بدل أن يكون مناسبة للدفاع عن حق حيكر في التعبير عن موقفه. والأكثر إحراجا أن الأمر لم يتعلق بنائب من خارج الفريق أو بخصم سياسي، بل بزميل حزبي كان ينتظر من رئيسه أن يسانده في مواجهة وزير، لا أن يطالبه بسحب العبارة التي أثارت غضب هذا الأخير. وإذا كان بووانو قد أراد تهدئة الأجواء، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو لماذا جاءت التهدئة على حساب النائب وحده؟ ولماذا لم تتجه الدعوة إلى ضبط الخطاب نحو جميع الأطراف، بمن فيهم الوزير الذي بادر إلى مطالبة المعارضة برفع مستوى الحوار؟
هذا السلوك الخانع ليس وليد صدفة، بل هو امتداد طبيعي للحمض النووي السياسي لـ “البيجيدي” منذ وصوله إلى رئاسة الحكومة، بمعنى، المشكل أعمق من واقعة برلمانية، لأنه يرتبط بذاكرة سياسية لم تطو بعد، وبحصيلة حكومية ما زالت آثارها حاضرة في حياة المغاربة. أليست هذه هي القيادات نفسها التي دافعت عن تحرير أسعار المحروقات، وتركت المواطنين يواجهون تقلبات السوق وارتفاع الأسعار؟ أليست هي التي قادت إصلاح صندوق المقاصة، ومررت إصلاح نظام التقاعد، واعتمدت التوظيف بالتعاقد في قطاع التعليم، وهي اختيارات أثارت جدلا اجتماعيا واسعا واحتجاجات لا تزال آثارها حاضرة؟
اليوم، التخلي عن الرفيق تحت قبة البرلمان ليس سوى نسخة مطابقة لتخلي الحزب عن الشعب قاطبة حين وصل إلى مفاصل القرار. فحين ترتبط السياسة بمنطق الامتيازات والمصالح الضيقة، يتحول المناضل الشرس إلى ممر آمن لغطرسة الحكومة، ويصبح الشعار النضالي مجرد راية يرفعها الحزب للاستهلاك وينكسها متى تعارضت مع صيانة المكاسب الشخصية. وبذلك يتبين للرأي العام بالمحسوس أن “المصباح” لم يكن سوى قوس تاريخي انفتح على وعود زائفة وانغلق على خذلان جماعي، سواء في دعم الأقارب تنظيميا أو في حماية القدرة الشرائية للمغاربة عمليا.
كذلك يعيد التخلي عن الرفيق تحت قبة البرلمان إلى الواجهة سؤالا أكبر حول علاقة الحزب بمناضليه وبالمواطنين على حد سواء. فحين يصبح احتواء غضب وزير أهم من الدفاع عن نائب، وحين تتراجع لغة المواجهة أمام أول اختبار حقيقي، يصبح من المشروع التساؤل عما تبقى من النفس النضالي الذي طالما قدم الحزب نفسه باعتباره حاملا له. والأمر لا يتعلق هنا بالدفاع عن عبارة بعينها أو بمنح النواب حق الإساءة إلى الآخرين، بل بالدفاع عن حقهم في النقد السياسي، وعن استقلالية مواقفهم، وعن دور المعارضة في مراقبة الحكومة ومساءلة أعضائها.
إن الحزب الذي يطالب اليوم الحكومة بالإنصات إلى المواطنين، مطالب أولا بأن ينصت إلى أصواته داخل البرلمان، وأن يتوقف عن التضحية بها كلما ارتفعت حرارة النقاش. والحزب الذي يريد استعادة ثقة المغاربة لا يمكنه أن يكتفي بتغيير موقعه من الأغلبية إلى المعارضة، دون أن يواجه بشجاعة حصيلته السابقة ويتحمل مسؤوليته السياسية عنها.
لقد كشف مشهد وهبي وحيكر وبووانو أكثر مما أراد أصحابه إظهاره، كشف أن “المصباح” لم يفقد فقط جزءا من بريقه الانتخابي، بل بات مطالبا بإثبات أن لديه ما يكفي من الجرأة لممارسة معارضة حقيقية، لا معارضة تتراجع عند أول مواجهة مع وزير. وبين خذلان الرفيق تحت قبة البرلمان، وذاكرة القرارات التي أثقلت جيوب المغاربة، تتسع المسافة بين الشعارات والممارسة، وهي المسافة التي لن تستطيع الخطب الحزبية ولا العودة إلى مقاعد المعارضة محوها.