التعمير بمكناس على طاولة المساءلة.. مواجهة الومغاري والإدريسي تفتح ملفات الماضي والحاضر

بقلم | فؤاد السعدي

لا شك أن السياسة الحقيقية تظهر عندما تتقاطع الشعارات المعلنة مع المصالح والرهانات السياسية. وما حدث، بالصوت والصورة، خلال أشغال الدورة الاستثنائية لمجلس جماعة مكناس، لم يكن مجرد نقاش عابر حول تدبير قطاع التعمير وتأخر رخص البناء، بل تحول إلى مواجهة سياسية كشفت عن أسئلة ظلت معلقة بشأن طريقة تدبير هذا القطاع، وحدود تدخل المنتخبين في القرارات الإدارية، ومدى احترام القانون في معالجة الملفات العقارية.

فعندما تدخل المستشار والمحامي عبد الصمد الإدريسي، المنتمي إلى حزب العدالة والتنمية، منتقدا طريقة تدبير قطاع التعمير والتأخر في تسليم رخص البناء، كان من الطبيعي أن يثير تدخله نقاشا حول مسؤولية المجلس الجماعي في معالجة ملفات المواطنين وتبسيط المساطر الإدارية. غير أن النقاش أخذ منحى آخر بعدما رد رئيس المجلس، عباس الومغاري، بمعطيات واتهامات تتعلق بملف رخصة بناء، قال إنها كانت موضوع ضغوط مورست على رئاسة المجلس من أجل التأشير عليها، رغم وجود تحفظات قانونية وتعميرية بشأن العقار المعني.

ووفق ما صرح به الومغاري خلال الدورة، فإن تلك الضغوط لم تكن مجرد اتصالات عابرة، بل تحدث عن مراسلات عبر تطبيق “واتساب”، اعتبرها محاولات للتأثير على قرار الرئاسة ودفعها إلى التوقيع على رخصة قال إنها تواجه رفضا من السلطات المحلية والوكالة الحضرية بسبب موقع العقار والضوابط المنظمة للبناء فيه.

ولا تكمن خطورة ما أثير خلال هذه المواجهة فقط في تبادل الانتقادات بين رئيس المجلس ومستشار جماعي، وإنما في طبيعة الأسئلة التي تطرحها هذه التصريحات حول استقلالية القرار الإداري، وحدود تدخل المنتخبين في معالجة ملفات التعمير. وهي أسئلة تستوجب تقديم الوثائق والتوضيحات من جميع الأطراف، حتى لا يتحول النقاش إلى مجرد اتهامات متبادلة دون أن يعرف الرأي العام حقيقة الملف المعني.

ومن حق عبد الصمد الإدريسي أن يقدم توضيحاته بشأن ما ورد على لسان رئيس المجلس، كما أن من حق الرأي العام أن يطلع على الوثائق التي استند إليها الومغاري في تصريحاته، وعلى الوضعية القانونية للعقار والرخصة موضوع النقاش. فالمسألة لا ينبغي أن تحسم بمنطق من يملك المنصة أو الكلمة الأخيرة داخل قاعة المجلس، وإنما بما تثبته الوثائق والمساطر القانونية.

غير أن النقطة الأكثر إثارة في هذه المواجهة كانت إعلان رئيس المجلس، عباس الومغاري، استعداده لكشف ما وصفه بملفات المرحلة السابقة من تدبير قطاع التعمير، وتحديدا الفترة التي كان خلالها عبد الصمد الإدريسي مسؤولا عن هذا القطاع في عهد المجلس الذي ترأسه عبد الله بوانو.

وهنا نعتقد أن الأمر يستحق أكثر من مجرد تلويح عابر خلال سجال سياسي. فالرأي العام المكناسي ينتظر من رئيس المجلس الوفاء بهذا الوعد، إن كانت لديه بالفعل وثائق ومعطيات تستدعي الكشف عنها. ذلك أن تدبير قطاع التعمير خلال الولاية السابقة لا ينبغي أن يظل خارج دائرة النقاش والمساءلة، خصوصا أن بعض الأصوات داخل حزب العدالة والتنمية ظلت تقدم تلك التجربة باعتبارها نموذجا للنزاهة والاستقامة في تدبير الشأن المحلي.

لكن التجارب السياسية، مهما كانت الشعارات التي أحاطت بها، لا تكتسب حصانة من المساءلة، ولا يجوز أن تتحول السمعة الحزبية إلى شهادة إعفاء من تقديم الحساب. فالنزاهة لا تثبت بالخطاب، وإنما بالقرارات والوثائق واحترام القانون، وبالقدرة على إخضاع التجربة السابقة والحالية للمعايير نفسها من الشفافية والمحاسبة.

ومن هنا، فإن فتح ملف التعمير بمكناس يجب ألا يقتصر على الرخصة التي أثارها الومغاري خلال الدورة، بل ينبغي أن يمتد إلى تقييم شامل لطريقة تدبير القطاع خلال الولايتين، مع الوقوف على الملفات التي عرفت تأخرا أو رفضا أو تحفظات، وطبيعة القرارات المتخذة بشأنها، ومدى احترام المساطر القانونية، دون استهداف أشخاص أو إصدار أحكام مسبقة.

فإذا كان رئيس المجلس يتوفر على معطيات بشأن اختلالات محتملة في المرحلة السابقة، فإن مسؤوليته تقتضي عرضها على الرأي العام والجهات المختصة، بدل الاكتفاء بالتلويح بكشفها في لحظات التوتر السياسي. وفي المقابل، فإن كل من تولى مسؤولية تدبير هذا القطاع مطالب بتقديم توضيحاته بشأن القرارات التي اتخذت خلال فترة مسؤوليته.

اليوم مكناس لا تحتاج إلى معركة جديدة لتبادل الاتهامات، بقدر ما تحتاج إلى كشف حقيقة تدبير واحد من أكثر القطاعات حساسية وتأثيرا في مصالح المواطنين ومستقبل المدينة. وما وقع خلال الدورة الاستثنائية ينبغي أن يكون مناسبة لإعادة فتح هذا الملف على أساس الوثائق والشفافية، لا مناسبة لتصفية الحسابات أو توظيف الماضي والحاضر في صراعات سياسية ضيقة.

لقد آن الأوان لكي يعرف المكناسيون حقيقة ما جرى في قطاع التعمير خلال الولايتين، وأن يخضع الجميع، دون استثناء أو انتقائية، للمساءلة نفسها. فليس مقبولا أن تتحول المطالبة بكشف اختلالات الحاضر إلى وسيلة لإغلاق ملفات الماضي، كما لا يجوز استخدام الماضي ذريعة لتبرير أي اختلال محتمل في الحاضر.

المطلوب اليوم ليس انتصار الومغاري على الإدريسي، ولا العكس، بل انتصار حق المكناسيين في معرفة الحقيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *