المعرض الدولي للفلاحة بمكناس.. هل ينهي الوزير “حاتمي” تركة الارتجالية ويعيد قطار الحكامة إلى سكته مع اقتراب نسخة 2027؟

مكناس — لم يعد خافيا على المتتبعين للشأن الفلاحي والاقتصادي ببلادنا، أن المعرض الدولي للفلاحة بمكناس (SIAM)، الذي يمثل أحد أبرز الواجهات الاستراتيجية للسياسة الفلاحية المغربية طيلة قرابة عقدين، يمر منذ دورتي 2025 و2026 بظرفية تدبيرية حرجة وطفرة ارتدادية واضحة على مستوى التنظيم والحكامة، وذلك منذ تولي المدير الجهوي للفلاحة، كمال هيدان، مهمة المندوب العام بالنيابة خلفا للمندوب الراحل جواد الشامي. فبينما تجتهد لغة الأرقام الرسمية في تسويق نجاحات رقمية مبهرة وجلب ملايين الزوار، تكشف المعاينة الميدانية وتقارير الهيئات المهنية والحقوقية المحلية عن واقع يطبعه التسيير بعقلية الهواة وتكرار الاختلالات اللوجستيكية والبنيوية، مما يسائل بجدية جدوى استمرار نفس الوجوه في تدبير هذا الملتقى الدولي الوازن وعجزها عن تجديد نموذجها التنظيمي.
وتتجلى أولى المآخذ التدبيرية التي يسجلها المهنيون في إصرار الإدارة على إبقاء منصب المندوب العام للمعرض مؤقتا بالنيابة لسنوات، وهو الوضع الذي تسبب في تشتيت مجهودات المديرية الجهوية للفلاحة بمكناس وجعل إدارة هذه التظاهرة العالمية الكبرى تخضع لتدبير مواز يفتقر للرؤية الاستراتيجية المتفرغة، مما فتح الباب أمام العشوائية في التنسيق وتفويض المهام للجان تفتقر للاحترافية والخبرة الميدانية اللازمة.
كما رصدت الصحافة الوطنية والجهوية في الدورتين الأخيرتين مظاهر ارتجالية لا تليق بسمعة المغرب، حيث استمرت أشغال تركيب وتجهيز بعض الأروقة وممرات العرض حتى الساعات الأولى من الافتتاح الرسمي، وسط ارتباك في المسارات المحددة للوفود والشركات العارضة، وصولا إلى انتشار لوحات إعلانية رسمية في شوارع مكناس تحمل تواريخ خاطئة ومربكة، مما عكس ضعف المراقبة والتدقيق القبلي من لدن الإدارة الحالية.
وعلى مستوى الفاعلين الميدانيين، تشير تقارير إلى تزايد تذمر التعاونيات وفلاحي قطب المنتوجات المحلية نتيجة سوء التوجيه اللوجستيكي وصعوبة الولوج والارتفاع الصاروخي لأسعار الخدمات اللوجستيكية الداخلية والمأكولات، فضلا عن الفوضى العارمة لمواقف السيارات العشوائية في محيط المعرض بمنطقة جنان بن حليمة. وفي مقابل مبالغة الإدارة في تسويق قطب الرقمنة والابتكار، وجهت للمعرض انتقادات لاذعة لكونه تحول إلى فضاء نخبوي يخاطب الشركات الكبرى متناسيا هموم الفلاح الصغير الذي يواجه تبعات الإجهاد المائي وغلاء الأعلاف دون تقديم حلول عملية ملموسة تواكب واقعه اليومي، يضاف إلى ذلك فوضى الشارات ودعوات الولوج المجانية التي تسربت بطرق عشوائية لتخلق اكتظاظا خانقا وأنبث سوقا سوداء للتذاكر، بالموازاة مع تشنج غير مبرر مع الجسم الصحفي والإعلامي بمكناس تجسد في إقصاء ممنهج وارتجالية في منح الاعتمادات وتسهيل مأمورية الصحافة الجهوية.
ويبقى التحدي الأكبر والمستمر هو غياب استراتيجية حقيقية لدمج المدينة المستضيفة، حيث يستمر نزوح الوفود الرسمية والمستثمرين الكبار للإقامة بمنتجعات وفنادق فاس وإفران بدعوى ضعف الطاقة الاستيعابية والتنسيق المحكم بمكناس، مما يحرم اقتصاد العاصمة الإسماعيلية وبنياتها السياحية والتجارية من العائد المباشر والمنصف لهذه التظاهرة التي تقام على أرضها.
وأمام هذا التراكم من التراجعات، ومع اقتراب موعد تنظيم نسخة 2027، تتجه أنظار الفاعلين المهنيين والجمعويين اليوم بصوت واحد صوب وزير الفلاحة والصيد البحري والسيادة الغذائية الجديد، خليد حاتمي، الذي تسلم الحقيبة الوزارية في التعديل الحكومي لأكتوبر 2026. وتتجاوز الانتظارات الترتيبات السطحية لـ SIAM 2027، بل تطالب الوزير بالتدخل العاجل والجريء لتصفية تركة سلفه وضخ دماء جديدة قادرة على استعادة التوهج التاريخي للملتقى، وإعادة النظر في تكليف كمال هيدان وإعفائه من المهام التدبيرية بالنيابة كخطوة حتمية لربط المسؤولية بالمحاسبة، وفتح افتحاص مالي وإداري شامل للصفقات الممنوحة لشركات المناولة، لوضع حد لأسلوب التدبير الحالي الذي يهدد بتحويل أكبر تظاهرة فلاحية بإفريقيا إلى موعد سنوي مكرر ومثقل بالارتجالية.