جماعة مكناس.. زمن “مْسَامَرْ المِيدَا”

أثار قرار رفض الأغلبية والمعارضة التصويت على مشروع ميزانية جماعة مكناس جدلا سياسيا وقانونيا غير مسبوق بين أوساط المهتمين بالشأن المحلي خصوصا والساكنة عموما رغم أنها ليست المرة الأولى التي يتم فيها اتخاذ مثل هذا القرار على مستوى الجماعات الترابية بالمملكة.

وبالعودة إلى القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات وخصوصا الباب الثاني المتعلق  بوضع الميزانية والتصويت عليها وبالضبط المادة 188 والتي تنص على انه” إذا لم يتم اعتماد الميزانية طبقا لأحكام المادة 187 أعلاه، قام عامل العمالة أو الإقليم، بعد دراسة الميزانية غير المعتمدة وأسباب الرفض ومقترحات التعديلات المقدمة من لدن المجلس وكذا الأجوبة المقدمة في شأنها من لدن الرئيس، بوضع ميزانية للتسيير على أساس آخر ميزانية مؤشر عليها مع مراعاة تطور تكاليف وموارد الجماعة، وذلك داخل أجل أقصاه 31 ديسمبر. تستمر الجماعة في هذه الحالة في أداء الأقساط السنوية للاقتراضات”.

ومن تم فإنه والى حدود الساعة لازلنا في إطار المشروعية القانونية وبعيدين كل البعد عن المزايدات والحسابات السياسوية الضيقة، وبالتالي فإنه لا داعي لخلط الأوراق وتهويل الأمور وكأننا أمام مأزق، كما أنه لا داعي للاجتهاد خصوصا مع وجود نص قانوني يحسم في كل شيء ويعالج هذه الواقعة العادية التي تنبه لها المشرع وتوقع حدوثها فقام بحسمها مسبقا من كافة جوانبها.

فمن خلال المتابعة للوضعية الراهنة “المقلقة” التي تعيشها جماعة مكناس بفِعل العبث والممارسات اللامسؤولة لأغلبية مجلسها، وما أثارت حولها من غضب واسع وشعور بالإشمئزاز والإحباط من “المآل والمصير المجهول” الذي باتت تتخبط فيه المدينة نتيجة صراعات بين الأغلبية والرئيس ازدادت حدتها مع مواقف المقاطعة وتعليق الدورات من قِبل الأغلبية تحت مبررات واهية وغريبة أحيانا، يتضح أن المدينة تسير نحو المصير  المجهول. فعوض إمطار مكناس بالمشاريع والبرامج التنموية فضل الفرقاء السياسيين إمطارها وللأسف الشديد بصراعات وتناطحات سياسوية وشخصية ضيقة وخطابات شعبوية جافة كان ضحيتَها مصالح ساكنة العاصمة الإسماعلية عبر هدر الزمن التنموي والدوران حول حلقة مفرغة.

وهنا نتساءل، هل نحن فعلا أمام نخبة سياسية مسؤولة وقادرة على تدبير الشأن المحلي، أم أنها أهدرت الزمن التنموي في شكليات ثانوية؟ وهي مناسبة لابأس أن نُذَكّر مجلس جماعة مكناس بخطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى 18 لعيد العرش المجيد عندما قال “فممارسات بعض المسؤولين المنتخبين تدفع عددا من المواطنين، وخاصة الشباب للعزوف عن الإنخراط في العمل السياسي، وعن المشاركة في الإنتخابات لأنهم بكل بساطة لا يثقون في الطبقة السياسية، ولأن بعض الفاعلين أفسدوا السياسة، وانحرفوا بها عن جوهرها النبيل”.

وإذا أصبح ملك المغرب غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة، ولا يثق في عدد من السياسيين، فماذا بقي للشعب؟ ويضيف جلالته “فعوض أن يقوم كل طرف بواجبه الوطني والمهني، ويسود التعاون وتظافر الجهود لحل مشاكل الساكنة انزلق الوضع بين مختلف الفاعلين إلى تقاذف المسؤولية، وحضرت الحسابات السياسية الضيقة، وغاب الوطن، وضاعت مصالح المواطنين”.

إن تصويت المكناسيين على  هؤلاء المنتخبين هو بمثابة رسالة “ثقة” لهم لوضع وبلورة برامج تنموية ناجعة، لكن واقع الحال بمجلس الجماعة يجعلنا نتساءل هل يُعقل أن يعجز المجلس على مدار أزيد من سنة على إعداد أهم وثيقة ينص عليها القانون التنظيمي رقم 14-113 المتعلق بالجماعات الترابية؟ نتحدث هنا عن برنامج عمل مكناس الذي يضعه مجلس الجماعة تحت إشراف رئيس مجلسه خلال السنة الأولى من الولاية الانتدابية وفق منهج تشاركي يتضمن تشخيصا لحاجيات وإمكانات المدينة وتحديدا لأولوياتها وتقييما لمواردها ونفقاتها التقديرية الخاصة بالسنوات الثلاث الأولى. ألا يشعر مجلس الجماعة “بالخجل” عندما يتابع الدينامية التنموية بمعظم مدن المملكة التي يسير قطارها التنموي بسرعة وثبات؟

هذه التساؤلات تدفعنا إلى استحضار ما قاله جلالة الملك “ومن جهة أخرى عندما يقوم مسؤول بتوقيف أو تعطيل مشروع تنموي أو إجتماعي لحسابات سياسية أو شخصية، فهذا ليس فقط إخلالا بالواجب، وإنما هو خيانة لأنه يضر بمصالح المواطنين، ويحرمهم من حقوقهم المشروعة”.

إنطلاقا ممّا سبق تبقى المكونات السياسية للمجلس الوحيدة التي تتحمل مسؤولية هدر الزمن التنموي بالجماعة مادام واقع الحال يؤكد بالملموس “شبه استحالة” حدوث توافقات بين الأطراف المتناطحة وهو ما يفرض تقديم إستقالاتها بشكل نهائي، ماعدا ذلك وأخذاً بعين الإعتبار حتمية تحقيق إقلاع تنموي بالمدينة، بات من الضروري تفعيل المادة 72 من القانون التنظيمي رقم 14-113 عبر حل مجلس الجماعة من طرف السلطات المختصة لأن واقع الحال بالمدينة والشروط الموضوعية المُتوفِّرة تستدعي فعلا تطبيق ماجاءت به المادة السالفة الذكر “إذا كانت مصالح الجماعة مهددة لأسباب تمس بحسن سير مجلس الجماعة، جاز لعامل العمالة أو الإقليم إحالة الأمر إلى المحكمة الإدارية من أجل حل المجلس”.

فحال لِسانِ ساكنة الإسماعيلية إزَاء هذا الوضع الشاذ ليُذكرنا بما قاله جلالة الملك محمد السادس “لكل هؤلاء أقول: كفى، واتقوا الله في وطنكم… إما أن تقوموا بمهامكم كاملة، وإما أن تنسحبوا.

…يتبع