إعلانات ممولة لحزب “الأحرار” تثير جدلا قانونيا قبل انطلاق الحملة الرسمية.. تواصل سياسي أم دعاية سابقة لأوانها؟

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر 2026، أثار ظهور إعلانات ممولة تحمل هوية حزب التجمع الوطني للأحرار على منصات التواصل الاجتماعي نقاشا قانونيا وسياسيا متجددا حول طبيعة هذا النوع من التواصل، وحدود المسموح به قبل الانطلاق الرسمي للحملة الانتخابية المقرر يوم 10 شتنبر الجاري.

وتظهر إحدى الإعلانات المتداولة، والموسومة بعلامة “Sponsorisé” (ممول)، رسالة تحمل هوية حزب الأحرار، وتتضمن مضمونا مرتبطا بالدعم الاجتماعي والقدرة الشرائية، من قبيل الحديث عن الرفع من مبلغ الدعم حسب ارتفاع الأسعار، وهو ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كان الأمر يتعلق بمجرد تواصل سياسي عادي، أم برسالة ذات حمولة انتخابية واضحة يجري الترويج لها عبر إشهار ممول ماً.

وتزداد حساسية الموضوع بالنظر إلى توقيت نشر هذه الإعلانات، حيث تأتي في الأيام التي تسبق مباشرة انطلاق الحملة الانتخابية الرسمية، وهو ما يجعل مسألة الإشهار السياسي الممول على المنصات الرقمية جديرة بقراءة قانونية دقيقة، خاصة أن الأمر يتعلق بحزب يستعد لخوض استحقاقا تشريعيا حاسما، ويعمل على تقديم حصيلته وبرنامجه والتزاماته أمام الناخبين قبل موعد الاقتراع.

ومن الناحية القانونية، لا يمكن اعتبار كل منشور يصدر عن حزب سياسي قبل بداية الحملة الرسمية مخالفة تلقائية، ذلك أن الأحزاب تحتفظ بحقها في التواصل مع الرأي العام والتعريف بمواقفها وبرامجها وأنشطتها بشكل عام. غير أن طبيعة هذا التواصل تصبح أكثر حساسية عندما يتحول إلى محتوى ممول ماليا بهدف توسيع انتشاره والوصول إلى أكبر عدد ممكن من الناخبين المحتملين.

وهنا تبرز أهمية التمييز الدقيق بين التواصل السياسي العادي والدعاية الانتخابية الفعلية، بحيث لا ينبغي أن تقتصر العبرة على الصيغة التي يقدم بها الإعلان، بل يجب أن تمتد لتشمل مضمونه وتوقيته والجهة الممولة له وطبيعة الجمهور المستهدف والهدف الفعلي من ورائه، خاصة إذا كان المحتوى يركز على إنجازات الحزب أو التزاماته المستقبلية ضمن سياق انتخابي واضح المعالم.

كما يطرح استعمال الإعلانات الممولة إشكالاً إضافيا مرتبطا بمبدأ تكافؤ الفرص بين مختلف الأحزاب المتنافسة، ذلك أن الإشهار المدفوع يمنح الجهة الممولة له قدرة أكبر على الوصول إلى المواطنين مقارنة بالمنشورات العادية غير الممولة، وهو ما يجعل من مراقبة الإنفاق السياسي الرقمي جزءا متزايد الأهمية في ضمان عدالة المنافسة الانتخابية بين مختلف المتبارين.

ويبقى إصدار حكم نهائي وقاطع بشأن قانونية هذه الإعلانات رهينا بمعطيات لا يمكن استخلاصها من مجرد الاطلاع على الإعلان ذاته، من بينها الجهة التي مولت الإعلان فعليا، وقيمة الإنفاق المرصود له، وتاريخ إطلاقه بالضبط، وطبيعة الاستهداف الجغرافي والاجتماعي، والمحتوى الكامل للحملة الإعلانية، ومدى ارتباطها المباشر بالعملية الانتخابية المقبلة.

وفي هذا السياق، يوضح مختصون في القانون الدستوري أنه لا توجد جريمة مستقلة تحمل حرفيا اسم “الحملة الانتخابية السابقة لأوانها” ضمن النصوص القانونية المنظمة للانتخابات، وأن مجرد تواصل الأحزاب والسياسيين مع المواطنين، أو عرض برامجهم ومواقفهم والدفاع عنها قبل انطلاق الحملة الرسمية، لا يعني بالضرورة وجود حملة انتخابية سابقة لأوانها بالمعنى القانوني الدقيق للكلمة.

غير أن هذا التوضيح القانوني لا يغلق النقاش نهائيا، بل يترك الباب مفتوحا أمام سؤال مؤسساتي مشروع وهو؟ هل يمكن اعتبار الإعلانات السياسية الممولة، التي تروج لإنجازات حزب ما وبرنامجه والتزاماته، قبل انطلاق الحملة الرسمية، مجرد تواصل سياسي عادي، أم أنها قد تدخل، بحسب مضمونها وسياقها وتوقيتها، في نطاق الدعاية الانتخابية غير المعلنة التي تسبق موعدها القانوني؟

وفي زمن باتت فيه الأحزاب قادرة على الوصول إلى الناخبين عبر إعلانات ممولة وموجهة بدقة متناهية، لم تعد مراقبة الحملات الانتخابية تقتصر على التجمعات الجماهيرية والملصقات والمنشورات الورقية التقليدية، بل أصبح الفضاء الرقمي ساحة انتخابية قائمة بذاتها، وربما بدأت فيه المنافسة الفعلية قبل أن تنطلق الحملة الانتخابية رسميا على أرض الواقع.

ويبقى السؤال المطروح بإلحاح، وينتظر جوابا واضحا من الجهات المختصة بمراقبة العملية الانتخابية هو هل بدأت حملة “الأحرار” رقميا قبل أن تبدأ قانونيا؟ أم أن الأمر لا يتجاوز حدود تواصل سياسي مشروع لا يرقى إلى مستوى المخالفة الانتخابية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *