انتخابات مكناس.. حسم مسبق للأحزاب وتأن حذر داخل “الحصان” لترسيخ التوازن وحجز المقعد البرلماني

مع اقتراب العد العكسي لاقتراع 23 شتنبر المقبل، حسمت الأحزاب السياسية الكبرى أوراقها الانتخابية بشكل نهائي بدائرة مكناس المصنفة كـ”دائرة الموت”، بعدما رسمت معالم لوائحها ورشحت قامات ذات رصيد ميداني ووزن انتخابي ثقيل للمنافسة على المقاعد الستة المخصصة للإقليم. فقد دفع التجمع الوطني للأحرار بأحمد الطاهري كوكيل للائحة اعتمادا على قوته التنظيمية وشبكة علاقاته الحضرية والقروية، وحسم الأصالة والمعاصرة تزكية الملتحق الجديد أناس الأنصاري الذي يعتمد أساسا على كتل مستخدمي شركته وشبكة العلاقات العائلية، بينما حسم حزب الاستقلال أمره بتزكية حسن اليمني المستند إلى امتداده الميداني القروي القوي. وعلى ذات النهج، دخلت الحركة الشعبية غمار السباق حاسمة أمرها بمحمد البريكي المستند إلى خزان قروي تقليدي وفي، وخاض الاتحاد الاشتراكي الرهان رسميا بعمر رزگي لاستعادة الحضور الاتحادي، وزكى التقدم والاشتراكية محمد البختاوي المراهن على مواقفه الجريئة لصالح المدينة والتي دفع ثمنها بتجريده سابقا من حزب الأحرار، فيما حسم العدالة والتنمية موقفه بشكل نهائي بتزكية القيادي عبد الله بوانو لما يمتلكه من حضور سياسي وهيكلة تنظيمية صلبة.

وسط هذا الحسم المكتمل لدى جميع الفرقاء، يظل بيت الاتحاد الدستوري حالة خاصة تعكس عمق التدافع التنظيمي الإيجابي بالمدينة، حيث إن التريث والإصرار على الاحتكام الصارم لقواعد الديمقراطية الداخلية والمعايير الموضوعية المفصلية التي يعتمدها المكتب السياسي والأمانة العامة هما السبب الأساسي والعامل الرئيسي وراء تأخر الإعلان عن اسم المرشح المحتمل. يضاف إلى ذلك وجود نية تنظيمية جادة لتدوير المقعد النيابي حتى ينال أبناء مكناس شرف تمثيل مدينتهم وتحمل مسؤولياتهم تحت قبة البرلمان، لا سيما وأن لائحة الاتحاد الدستوري تظل اللائحة الوحيدة بالدائرة التي تتشكل في جوهرها من أبناء مكناس. كما أن حجم التنافس الشرس ونوعية مرشحي الأحزاب الثقيلة التي ستخوض هذا الاستحقاق بدائرة لا تتسامح مع الأخطاء، هما ما يفرضان على القيادة أعلى درجات التريث والتدقيق الحذر لعدم المجازفة بمقعد “الحصان” التاريخي بالإقليم.

ورغم أنه قد يبدو لدى الجميع أن اسم وكيل اللائحة بات محسوما، إلا أن الجميع داخل الحزب يصرون على عدم استباق الخلاصات والاحتكام التام للمؤسسات الحزبية ولنتائج الديمقراطية الداخلية.
هذه البيئة الديمقراطية هي ما تجعل الحزب أمام أربع قامات وازنة تصعب من مهمة المفاضلة بينها، فبالرغم من أن قانون التنافي وإشكالاته المسطرية السابقة هما ما فتحا باب التأويلات بعدما كان العباس الومغاري سيواصل مهامه النيابية بشكل طبيعي، إلا أن الخيارات المتاحة اليوم تعكس ثراء حزبيا حقيقيا. فالومغاري يظل خيارا ذا وزن بحكم رئاسته للجماعة وجاهزيته الميدانية، في مقابل حضور قوي ومستحق للنائب البرلماني الحالي خالد الطويل الذي أبلى البلاء الحسن خلال ولايته النيابية وبصم على أداء رقابي وتواصلي ملحوظ، إلى جانب الوزن الانتخابي والحضور الميداني للدكتور فريد بواحي ورئيس جماعة المشور الستينية رؤوف الإسماعيلي.

ويرى مهتمون بالشأن المحلي أن الحضور السياسي للاتحاد الدستوري بدائرة مكناس لا ينفصل عن تجربة قيادته للمجلس الجماعي برئاسة العباس الومغاري، وهي التجربة التي شهدت إطلاق عدة مشاريع تنموية وأوراش مفتوحة تسعى للنهوض بالمجال الحضري للمدينة وتحريك عجلة الاستثمار الراكدة. غير أن هذا الأداء الميداني يظل محاطا بتجاذبات واختلاف في وجهات النظر بين مكونات الشارع المكناسي، ففي الوقت الذي تراهن فيه فئات من الساكنة على استمرار هذه الحركية واستكمال المشاريع المسطرة، تشدد آراء أخرى على أن حجم التحديات الهيكلية والانتظارات التنموية بالإقليم يتطلب تدبيرا أكثر سرعة ونجاعة لتجاوز التعثرات الإدارية والمالية التي رافقت الممارسة الجماعية. وبين تباين هذه القراءات، يظل الشارع المحلي هو الحكم والفيصل عبر صناديق الاقتراع لاختيار الخيار الأنسب لمستقبل المدينة.

وعلى عكس ما جرى داخل بيت حزب الاستقلال بالمدينة، حيث رفع الغاضبون ورقة الاستقالة الجماعية في وجه أمينهم العام للضغط في حال عدم تزكية مروى الأنصاري، فإن بيت الاتحاد الدستوري بمكناس يبدو محصنا بالانضباط التنظيمي وعالي الشعور بالمسؤولية من قبل المرشحين الأربعة الذين يجمعون على تغليب المصلحة العليا لـ”الحصان” والقبول بمخرجات الديمقراطية الداخلية كيفما كانت نتائج التزكية النهائية.

هذا وتفرض إدارة هذا المزيج من التنافس الداخلي على حزب الاتحاد الدستوري ألا يتوقف عند حدود حسم اسم وكيل اللائحة فحسب، بل تمتد إلى كيفية تعبئة كافة الحساسيات والقواعد الدستورية خلف المرشح المختار، على اعتبار أن الرهان في دائرة من حجم مكناس يكمن في تحويل إرث التدبير الجماعي للومغاري والأداء الرقابي للطويل والرصيد الميداني لبواحي والإسماعيلي إلى قوة انتخابية مجتمعة، تضمن الحفاظ على تماسك القواعد، وتمنع بالضرورة أي تشتت قد يستغله الخصوم في دائرة تحسمها جزئيات صغرى.

هذا الوعي المسؤول يؤكد أن التأني في الحسم هو مظهر قوة ومصداقية استشارية تهدف إلى إفراز الأجدر بتمثيل الساكنة، واستثمار هذا التوافق الداخلي لإغلاق المنافذ أمام تسرب الأصوات والكتل الناخبة العائمة نحو اللوائح المنافسة، ضمانا للحفاظ على جاهزية الحزب الكاملة وحجز مقعده الثابت داخل دائرة لا ترحم المترددين، وتبقى في نهاية الامر السياسة تجسيدا للممارسة الواقعية والأثر الميداني بعيدا عن المزايدات الشفوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *