مصر تحتفل بـ”انتصار القرن”.. 4 نقاط في 96 سنة.. ومشروع “أسياد إفريقيا” يتحول إلى نكتة المونديال

يبدو أن حمى المونديال قد أصابت الإعلام والجمهور المصري بأعراض تضخم في الأنا تجاوزت حدود المنطق الكروي، ودفعت ببعض أبناء النيل إلى إعلان أنفسهم أسياد إفريقيا وبناة مشروع كروي فرعوني خارق، فقط لأن منتخبهم تذوق أخيرا طعم الانتصار في نهائيات كأس العالم بعد قرن كامل من العجاف والصيام الكروي.
فرحة هستيرية عارمة هزت الشارع المصري، ولم تقف عند حدود الاحتفال العادي، بل تحولت إلى استعراض عضلات وهمي ومقارنات مضحكة مع أسود الأطلس، وكأن مصر اخترعت كرة القدم في المونديال الحالي؛ لتطرح الأسئلة الساخرة في الأوساط المهنية، فعن أي مشروع تتحدثون يا سادة؟ ومنذ متى كانت حصيلة 96 سنة من المشاركات المونديالية بالكاد تجمع 4 نقاط يتيمة، مدعاة لإعطاء الدروس في التخطيط الرياضي؟
حسابيا، وبدون أدوات معقدة، تبدو المقارنة مع المغرب ضربا من العبث الفكري ودوعنا نقول ضربا من الجنون؛ فالمنتخب المغربي الذي يبدو أنه يسبب صداعا تاريخيا لمنظري الإعلام الرياضي في القاهرة وما شابههم، انتزع 7 نقاط كاملة في ثلاثة أسابيع فقط داخل بطولة واحدة، ويملك في رصيده التاريخي 7 انتصارات مونديالية صريحة، فضلا عن كونه أول منتخب إفريقي وعربي يفتتح سجل التهديف في المحفل العالمي. ومع ذلك، يصر الجمهور المصري على تحويل فوز يتيم بعد معاناة دامت قرنا، إلى أطروحة دكتوراه في فلسفة المستديرة، مما جعلهم بحق وللأسف أضحوكة العام بدون منازع بين الجماهير التي تقرأ التاريخ بلغة الأرقام لا بلغة العواطف والهتافات.
الحقيقة التاريخية التي يتناساها الإعلام المصري تكمن في أن كسر عقدة الدونية الكروية لمنتخبات القارة لم يكن يوما مصريا؛ فلولا زلزال أسود الأطلس في مونديال قطر، واقتحامهم التاريخي للمربع الذهبي، لظلت وسائل الإعلام العالمية والاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) يعاملون منتخبات وممثلي إفريقيا والعرب كمجرد كومبارس وتشكيلات تكميلية، أو مجرد ظواهر ممتعة تنتهي صلاحيتها بمجرد انطلاق الأدوار الحاسمة.
و بالتالي بدون الملحمة المغربية بقطر، لظلت المنتخبات العربية والإفريقية في مونديال 2026 الحالي تتخبط في عقدة الوصول والمغادرة؛ تملك الموهبة نعم، لكنها تفتقد البوصلة والشجاعة للذهاب بعيدا. المغرب لم يمنح هؤلاء المهارة، فهي هبة ربانية، بل منحهم المفتاح الذهبي للثقة بالنفس، وكسر الجدار النفسي الذي كان يجعلهم يرتعدون أمام عمالقة أوروبا وأمريكا اللاتينية.
اليوم الفضل كل الفضل، كرويا وتاريخيا، يعود لأسود الأطلس الذين رسموا خارطة طريق كروية جديدة، وجعلوا العالم ينظر بعين الاحترام للقارة السمراء. أما محاولات الإعلام المصري المصرة على الركوب في مقعد المقارنة مع المشروع المغربي الحقيقي، فلن تتجاوز كونها مادة دسمة للتندر والفكاهة، فشتان بين من يصنع الثورات التاريخية في المربع الذهبي، ومن لا تزال الفرحة لم تسعه لانتصار وحيد بعد قرن من الغياب.