تجريد الحكومة من سلاح المليارات.. هل انتهت صلاحية الأحزاب في تدبير الأوراش الكبرى؟

تجاوز المجلس الوزاري الأخير برئاسة جلالة الملك محطة ترتيب الأجندات الإدارية الروتينية، ليضع حدا نهائيا لنموذج تدبيري استنفد كل فرصه الممكنة. ويأتي قرار ضخ 210 مليارات درهم ووضعها تحت الإشراف المباشر لوزارة الداخلية بمثابة إدانة سياسية صريحة، تترجم وصول الثقة في قدرة الأحزاب المشكلة للحكومة على قيادة الأوراش الكبرى إلى نقطة الصفر.
ويكشف هذا التحول الاستراتيجي حجم الهوة الواسعة الفاصلة بين “البروباغندا” الحكومية وواقع الحال الصادم؛ ففي الوقت الذي غرق خطاب رئاسة الحكومة في تسويق شعارات الدولة الاجتماعية، ظلت التقارير الميدانية ترصد تعثرا بنيويا في التنزيل، نتيجة تحول القطاعات الوزارية إلى جزر معزولة غارقة في صراعات المصالح وتوزيع الغنائم الانتخابية. وأمام هذا العبث التدبيري المستمر، فرضت الضرورة عودة وزارة الداخلية كقاطرة للإنقاذ، بهدف وقف نزيف الزمن السياسي الذي أهدرته حكومة عزيز أخنوش في متاهات الأرقام الورقية والوعود المتبخرة.
وفي سياق متصل، يعكس نقل صلاحيات الإشراف على هذه الموارد الضخمة إلى ولاة وعمال الجهات قناعة سيادية راسخة بفشل المقاولة السياسية في امتحان المصداقية. فقد بات واضحا فقدان الحكومة لزمام المبادرة، وتحولها إلى مجرد هيكل لتصريف الأعمال يفتقد الجرأة اللازمة لمواجهة شبكات الاستفادة غير المشروعة. ومن هنا، يبرز وضع المشاريع الكبرى تحت مجهر “الداخلية” كسحب فعلي للثقة التدبيرية من أحزاب أثبتت التجربة أن منطق الغنيمة يتقدم لديها على منطق الخدمة العمومية.
وتأسيسا على ذلك، تدخل الدولة المغربية اليوم مرحلة التدبير بالنتائج، بعيدا عن ضجيج الحسابات الحزبية الضيقة؛ إذ لم تعد الدولة تملك ترف الوقت لانتظار نضج أحزاب فقدت بوصلتها وسط الطريق. وبناء عليه، تمثل الـ 210 مليارات درهم صك براءة لمسار التنمية من شوائب التلاعب السياسي، وإعلانا رسميا عن سقوط خطاب استهلك كل مبرراته الوجودية.
لقد أثبتت الأيام، بما لا يدع مجالا للشك، عجز الأحزاب الحالية عن الارتقاء إلى مستوى التحديات الملكية والانتظارات الشعبية الحارقة. وبناء على هذه المعطيات، يفتح تراجع الحكومة السياسية إلى مقاعد المتفرجين الباب واسعا أمام آليات أكثر صرامة، قادرة على الوفاء بالعهود بعيدا عن المزايدات، لتظل المصلحة العليا للوطن فوق مقامرات الحسابات الفئوية العابرة.