فؤاد السعدي يكتب.. كيف تحول تصميم تهيئة طنجة المدينة إلى ساحة لابتزاز مؤسسة الوالي؟

تعد مدينة طنجة اليوم، وهي تتأهب لارتداء حلة المونديال والتحول إلى منصة عالمية، مسرحا لواحدة من أشرس المعارك الصامتة التي تدور رحاها خلف أبواب المكاتب المكيفة وفي كواليس حروب المقالات المأجورة. فما تعيشه عروس الشمال في الآونة الأخيرة، ليس صراعا عاديا حول تصميم التهيئة أو مجرد اختلاف في وجهات النظر بين سلطة معينة ومنتخبين محليين، بل هو كفاح مرير تخوضه مؤسسة الوالي، في شخص يونس التازي، لفرض منطق الدولة والقانون في مواجهة منطق اللوبي والريع العقاري الذي تعود لعقود على تطويع المدينة لخدمة حساباته البنكية.

فبمجرد أن اصطدمت طموحات بارونات الإسمنت بجدار الصرامة الذي رفعه وال معروف بنظافة اليد وبعده عن لغة المحاباة، انطلقت الماكينات الإعلامية لتنسج روايات خيالية عن الاستهداف من جهة وتصفية الحسابات من جهة أخرى، في محاولة مكشوفة لابتزاز الدولة عبر شخص ممثلها بالجهة، متناسية أن هذا المسؤول لا يتحرك وفق أهواء شخصية، بل كمنفذ أمين لرؤية ملكية سامية تطمح لجعل طنجة قطبا دوليا لا مكان فيه للمضاربات التي تعرقل أوراش التنمية الكبرى.

ولعل المتأمل في طبيعة الهجوم الإعلامي الأخير الذي استهدف الوالي يونس التازي، يدرك تماما أن المسألة تجاوزت النقد البناء لتسقط في فخ التحامل الشخصي الفج، حيث يتم استخدام أسماء منتخبين كأحجار شطرنج في رقعة صراع لا تهمهم في جوهرها، والدليل الصارخ هو ما حدث مع المنتخب ورجل الأعمال عبد الحميد أبرشان، الذي حاول “اللوبي” تصويره كضحية لبلوكاج إداري، وعندما خرج الرجل بكل شجاعة لينفي وجود أي خلاف مع الوالي ويؤكد انضباطه لمؤسسات الدولة، انقلبت نفس المنابر لمهاجمته واتهامه بـ”الخوف”، وهو ما يؤكد أن الغرض لم يكن قط الدفاع عن الشرعية الانتخابية، بل الاستقواء باسم المنتخب للي ذراع السلطة والحصول على استثناءات تعميرية تدر الملايير. نعم إنها مفارقة عجيبة وقاتلة أن نرى منابر إعلامية تقتات على المال العام عبر دعم الدولة، ثم تتحول في وضح النهار إلى منصات لإطلاق النار على مؤسسات الدولة السيادية، وكأن هذا الدعم أضحى وسيلة لتمويل حروب الوكالة لفائدة بارونات العقار، في ازدواجية خطاب تضع مصداقية هذه المنابر على المحك وتكشف أن مداد أقلامها يكتب في مكاتب المنعشين قبل أن يصل إلى قاعات التحرير.

ما يقع بطنجة اليوم هو معركة كسر عظام حقيقية، حيث يحاول لوبي العقار، الذي تضخمت ثرواته من عشوائية التعمير وتغيير معالم المناطق الخضراء، استعادة زمام المبادرة عبر سلاح الاغتيال الرمزي للمسؤولين النزهاء. هؤلاء الذين يتباكون اليوم على تجميد التنمية هم أنفسهم الذين يريدون تحويل طنجة إلى غابة من الأسمنت تفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة، بينما يسعى الوالي التازي، من خلال وثيقة تصميم التهيئة الجديد، إلى وضع قطيعة مع زمن الرخص تحت الطاولة وضمان نمو عمراني متوازن يحمي حق الساكنة في الفضاءات العامة والمناطق الخضراء التي هي ملك لكل الطنجاويين وليست احتياطا عقاريا للمضاربين. وبالتالي فالهجوم على قرارات إيقاف تجزئات مشبوهة، تحت ذريعة وجود أحكام قضائية أو حقوق مكتسبة، ليس سوى محاولة لشرعنة الأمر الواقع الذي فرضه اللوبي لسنوات، متجاهلا أن هيبة الدولة ومصلحة المدينة ومستقبل أجيالها يتقدمان على الأرباح السريعة لمنعشين ألفوا الابتزاز الإعلامي وسيلة لتجاوز ضوابط القانون.

الأكيد أن الخطورة في هذا المشهد البئيس لا تكمن في قوة اللوبي، بل في الوقاحة السياسية التي تمارسها بعض الجهات عبر محاولة تصدير الأزمة إلى المركز بالرباط، وإيهام صناع القرار بأن الوالي يعرقل الاستثمار، في حين أن الحقيقة هو أن هذا الأخير لا يعرقل الاستثمار المنتج، بل يحمي الاستثمار الوطني المسؤول من الاستثمار الريعي الذي يقتات على تدمير الملك العمومي والالتفاف على ضوابط التعمير، وبالتالي فثبات مؤسسة الوالي أمام هذا السيل من المقالات المسمومة والتدوينات المحرضة، يبعث برسالة قوية مفادها أن طنجة “المونديال” لن تدار بعقلية الهمزة كما كان سابقا أو الابتزاز بملف الصحافة، بل بمنطق المؤسسات الرصينة والنجاعة التدبيرية. وعلى الرأي العام أن يدرك أن كل صرخة مظلومية تصدر عن أبواق اللوبي اليوم، هي في الواقع شهادة نجاح للوالي في تجفيف منابع الريع، وأن المحاولات اليائسة لابتزاز مؤسسات السيادة لن تزيد الدولة إلا إصرارا على تنقية المناخ الاستثماري، لأن استقلالية القرار العمومي وتحرره من قبضة بارونات الإسمنت هو الضمانة الوحيدة لتحقيق تنمية حقيقية تضع مصلحة الوطن وهيبة مؤسساته فوق كل اعتبار شخصي أو فئوي ضيق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *