حين يجمد أخنوش أسعار المحروقات حماية لأرباح شركاته على حساب جيوب المغاربة

المستقل | فؤاد السعدي
لليوم الرابع على التوالي، تواصل أسعار النفط عالميا انهيارها المدوي لتستقر دون حاجز الـ 100 دولار للبرميل عقب إعلان الهدنة في الشرق الأوسط، لكن في المغرب، يبدو أن ساعة المحطات توقفت عند زمن الغلاء الفاحش، في مشهد سريالي يكشف أن السوق الوطنية لا تخضع لقانون العرض والطلب، بل لمنطق الاستنزاف الممنهج والتعنت المصلحي. هذا الانفصال عن الواقع الدولي لم يعد حدثا تقنيا، بل فضيحة سياسية وأخلاقية تضع الحكومة في مواجهة مباشرة مع ذكاء المواطنين، وتفضح معادلة مختلة قوامها الرفع سريع وفوري، والتخفيض بطيء، متردد، ومؤجل إلى أجل غير مسمى.
هذا وتشير المعطيات الصادمة إلى أن رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، الذي يجمع بين صفته كرجل دولة وبين كونه أحد أبرز الفاعلين في سوق المحروقات، يرفض تحريك مسطرة التخفيض إلى حين تصريف مخزون شركاته، بما في ذلك النفط الروسي الرخيص الذي تم اقتناؤه في فترات سابقة. وبالتالي نحن هنا لسنا أمام مجرد تأخير إداري، بل أمام نموذج صارخ لتضارب المصالح الفج، حيث يتم تسخير القرار العمومي لحماية الأرباح الفلكية للشركات على حساب القدرة الشرائية للمغاربة. أي أنها عملية “عصر” ممنهجة لجيوب المواطنين، تتم تحت أنظار حكومة يفترض فيها أن تكون صمام أمان اجتماعي، لا طرفا مستفيدا من تعميق الأزمة وإطالة أمد الغلاء لأطول فترة ممكنة.
والأدهى من ذلك، هو حالة الغيبوبة التي تعيشها المؤسسات الدستورية التي تسوق خارجيا كضمانة للديمقراطية والاستقلالية؛ فمجلس المنافسة، الذي يفترض أن يضرب بيد من حديد على يد المحتكرين، بات اليوم مجرد “ديكور” يؤثث المشهد المؤسساتي، وصمته المطبق أمام توحش شركات التوزيع يثبت أن استقلالية هذه المؤسسات مجرد شعار للتسويق الخارجي فقط. وفي ظل صمت المعارضة الذي يثير أكثر من علامة استفهام، يجد المواطن المغربي نفسه وحيدا أمام تحالف السلطة والمال، حيث يبيع أرباب المحطات بأسعار مرتفعة رغم تراجع الكلفة، في غياب تام لأي رقابة حقيقية أو إرادة سياسية لحماية السلم الاجتماعي.
الأكيد أن ما يجري اليوم هو فضيحة مكتملة الأركان تسقط ورقة التوت عن خطاب الدولة الاجتماعية؛ فإذا كان منطق السوق الدولية يفرض الانخفاض، ومنطق المصلحة الوطنية يفرض الإنصاف، فإن منطق “اللوبيات” هو الذي ينتصر في النهاية. وبالتالي على الدولة أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية، لأن استمرار هذا الاحتكار والارتهان لمصالح الفاعلين الكبار لم يعد مجرد اختلال تدبيري، بل هو طعنة في جوهر العدالة الاجتماعية، وتكريس لقناعة راسخة بأن السوق الحرة بالمغرب ليست سوى غطاء لهشاشة واقع احتكاري يدار من داخل مكاتب القرار.
فعندما تختلط السلطة بالمال، وتصبح الأرباح الخاصة فوق القدرة الشرائية لملايين المغاربة، يسقط الحديث عن المؤسسات والدستور. المواطن لا يطالب بصدقة، بل بـ “عدالة بسيطة”: إذا ارتفعت الأسعار بسرعة البرق، فلتنخفض بالسرعة نفسها.. وإلا فإننا أمام “سطو شرعي” تباركه الحكومة بالصمت، ويغذيه تضارب المصالح بالدليل والبرهان.