مهرجان مكناس للدراما التلفزية.. هل تحولت الرعاية السامية إلى “مطية” لجلب الدعم واحتكار القرار؟

في الوقت الذي خفتت أضواء منصة التتويج معلنة إسدال الستار على الدورة الخامسة عشرة لمهرجان مكناس للدراما التلفزية ليلة أمس، بدأت في المقابل ملامح دراما موازية تتشكل في الأفق، عنوانها تساؤلات شعبية ومهنية حول كواليس التدبير الإداري لهذه التظاهرة التي تنظمها جمعية “العرض الحر”. فبرغم البريق الفني الذي طبع السهرات وحضور نخبة من المبدعين والفنانين، لم ينجح هذا المشهد الاحتفالي في إخفاء التناقض الواضح بين تشريف المهرجان بالرعاية الملكية السامية وبين واقع تسيير يغلب عليه الطابع العائلي الضيق. وهو ما يثير تساؤلات ملحة حول كيفية تحول هذه الرعاية الرفيعة من رافعة للإبداع والارتقاء إلى مجرد وسيلة لاكتساب الامتيازات واستقطاب الدعم المالي من مختلف الشركاء، من جهات وجماعات ووزارة وصية.

ويبرز هذا الارتباك التنظيمي في إصرار إدارة المهرجان على تكريس نمط تدبير أقرب إلى “العائلي”، مما يضع مصداقية التظاهرة على المحك، ويحولها من فضاء إشعاعي عام إلى ما يشبه “ضيعة خاصة” تدار بمنطق الولاء والقرابة بدل الكفاءة والحكامة الحديثة. وهو ما يعد انحرافا عن الأهداف التي أُنشئ من أجلها المهرجان، حيث يطغى احتكار القرار وتغيب الشفافية في تدبير الموارد البشرية والإدارية، الأمر الذي يستدعي وقفة تأمل من الجهات المانحة لمراجعة معايير صرف المال العام، وضمان توجيهه لخدمة طموحات العاصمة الإسماعيلية، لا لمصالح ضيقة تفتقر لأبسط شروط الوضوح والتنظيم.

وفي خضم هذا الجدل، يجد مدير المهرجان نفسه أمام مطالب متزايدة بكشف تفاصيل ما يشبه “العلبة السوداء” لموارد الجمعية، خاصة في ظل الغموض الذي يلف كيفية صرف الدعم المهم الذي يمنح باسم دعم الفن والثقافة، على اعتبار أن التسويق لخطاب “الرواج الفني” لا يعفي من الإجابة عن السؤال الجوهري المتعلق بمآلات صرف هذه الأموال، كما لا يبرر استمرار حالة الارتباك التي يعيشها المهرجان نتيجة غياب التتبع والمراقبة من قبل الجهات المانحة، التي تكتفي غالبا بدور الممول دون تقييم الأثر الحقيقي لهذه التظاهرة على تنمية المدينة أو تطوير الدراما الوطنية.

والأكيد أن استمرار هذا الوضع بعيدا عن المساءلة يساهم في تكريس ما يمكن وصفه بالريع الثقافي، ويحد من فرص تطور المهرجان، إذ لا يمكن أن يزدهر الإبداع في بيئة تفتقر إلى الشفافية وتعتمد على منطق ضيق في تدبير شأن عام ممول من المال العمومي. لذلك، تبرز اليوم الحاجة إلى تدخل الجهات الرقابية لإعادة النظر في آليات منح الدعم، وضمان صون قيمة الرعاية السامية من أي استغلال، وتوجيه الموارد نحو استثمار ثقافي فعال يقوم على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، بعيدا عن تدبير مغلق لا يخضع لتتبع ميداني يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *