مهرجان مكناس للدراما التلفزية.. ريع ثقافي وواجهة لتلميع الفشل

يسدل الستار اليوم على دورة أخرى من مهرجان مكناس للدراما التلفزية، مخلفا وراءه تساؤلات حارقة حول جدوى استمرار هذا الجمود التنظيمي الذي لم يبارح مكانه منذ سنوات. فرغم الدعم المالي السخي الذي تضخه المؤسسات العمومية المانحة، ورغم الرعاية الوازنة التي يحظى بها هذا الحدث، يصر القائمون عليه على إبقائه حبيس رؤية ضيقة تفتقد للإبداع وتتعارض تماما مع طموحات مدينة بحجم مكناس.
نعم، لقد تحول هذا المهرجان، مع توالي الدورات، إلى ما يشبه الجزيرة المعزولة التي لا يستفيد من رواجها اقتصاد المدينة ولا قطاعها السياحي. ففي الوقت الذي تنجح مدن مغربية أصغر في تحويل تظاهراتها الثقافية إلى قاطرة للتنمية كما هو حال بسلا وخريبكة ومراكش، يكتفي منظمو مهرجان مكناس للدراما التلفزية باستقدام الضيوف لالتقاط صور عابرة، ثم المغادرة دون ترك أي أثر تنموي أو إشعاعي حقيقي يخدم العاصمة الإسماعيلية وساكنتها.
هذا التقهقر للأسف لا يقف عند حدود التنظيم اللوجستيكي، بل يمتد ليصل إلى القطيعة الغريبة مع الجسم الصحفي، فمن غير المفهوم غياب ندوة صحفية واحدة طيلة أيام المهرجان لتنوير الرأي العام، وهو ما يعكس استعلاء غير مبرر يهدف بالأساس إلى حجب الرؤية عن الاختلالات البنيوية التي تنخر جسد المهرجان، وتفادي أي قراءة نقدية جادة قد تفضح المسافة الشاسعة بين الأرقام المعلنة والواقع المتردي الذي يلمسه ضيوف المدينة خلف الستار.
وإذا كان عبد الغني الصبار عامل عمالة مكناس يولي عناية خاصة لهذا الحدث، ويحرص بحضوره الشخصي ودعمه اللامشروط على إنجاح الفعل الثقافي، فإن إدارة المهرجان لم تكن يوما في مستوى هذا الطموح، بل اكتفت بجعل المهرجان “أضحوكة” أمام زوارها من الفنانين الذين يغادرون وهم يحملون انطباعات سلبية عن الكواليس المرتجلة والتكريمات التي تفتقد لأبسط المعايير المهنية.
أمام هذا الواقع المتردي، تقع المسؤولية اليوم، وبشكل مباشر، على عاتق المؤسسات المانحة من وزارة الثقافة والجماعة والجهة، للمطالبة بمحاسبة دقيقة عن كل درهم يمنح لهذا التدبير العقيم؛ لأن مدينة مكناس تستحق ثورة ثقافية حقيقية يتغنى بها الفنانون والزوار، لا مجرد واجهة لتلميع الفشل والاختباء خلف البروتوكولات الرسمية، خاصة وأن صورة العاصمة الإسماعيلية وكرامة أهلها ومبدعيها تظل دوما فوق كل اعتبار.