مفاوضات “الرفاق”.. أحزاب اليسار تبحث عن تحالف انتخابي يوازن بين حلم الحكومة ورهان الوحدة

مع اقتراب العد العكسي للاستحقاقات التشريعية المقبلة، بدأت ملامح حراك سياسي لافت ترسم ملامح خريطة “الرفاق” بالمغرب، حيث تهيمن على المشهد مفاوضات ماراطونية تجمع قادة ثلاثة أحزاب يسارية وازنة، نبيل بنعبد الله (التقدم والاشتراكية)، جمال العسري (الاشتراكي الموحد)، وعبد السلام العزيز (فيدرالية اليسار). هذا التقارب الذي يسعى لصياغة “كتلة يسارية” موحدة، يتجاوز مجرد التنسيق الانتخابي العابر ليطرح سؤال الهوية والتموقع الاستراتيجي لليسار في مغرب ما بعد انتخابات 2026، خاصة مع بروز طموحات مشتركة لكسر حالة الهيمنة القطبية الحالية والبحث عن طريق ثالث يعيد الاعتبار للمشروع الديمقراطي الاجتماعي.

ورغم الحماس الذي يلف فكرة توحيد الجهود، لا تزال صخرة المشاركة الحكومية تشكل العائق الأبرز أمام إتمام هذا التحالف؛ ففي الوقت الذي ينظر فيه حزب “الكتاب” إلى صناديق الاقتراع كبوابة للمشاركة في التدبير التنفيذي والحصول على حقائب وزارية لترجمة برامجه من داخل المؤسسات، يميل رفاق العسري والعزيز إلى إعطاء الأولوية لبناء مشروع مجتمعي صلب وجبهة معارضة قوية، معتبرين أن التسرع في دخول جنة الحكومة قد يحرق الأوراق التاريخية لليسار قبل نضج شروط التغيير الحقيقي. هذا التباين في سقف الطموح يضع المفاوضين أمام اختبار حقيقي للموازنة بين “براغماتية السلطة” و”راديكالية المبادئ”.

ولا تكمن القيمة المضافة لهذا التحالف، في حال نجاحه، فقط في تقاسم الدوائر الانتخابية لضمان فريق برلماني وازن، بل في قدرته على تقديم بديل سياسي يقطع مع “الريع” ويخاطب الفئات الصامتة من الناخبين. فالرهان الحقيقي يتجاوز قبة البرلمان ليصل إلى المجالس الترابية والجماعات، حيث تتجه النوايا لإبرام تحالفات محلية مع قوى إصلاحية تتقاسم نفس المشترك القيمي، بهدف انتزاع رئاسة بعض الحواضر الكبرى وتدبيرها بمنطق الحكامة الاجتماعية. وهو ما يفرض على هذه الأحزاب ابتكار ميثاق شرف انتخابي يسمح بالاختلاف في الموقف من الحكومة مع التوحد في جبهة محاربة الفساد الانتخابي.

ويبقى التساؤل الجوهري معلقا حول مدى قدرة العقل اليساري على تجاوز الخلافات الجوهرية التاريخية لصالح وحدة المصير؛ فالمرحلة المقبلة لا تتحمل تشتتا إضافيا للأصوات، والناخب المغربي بات يبحث عن برامج واقعية لا شعارات إيديولوجية. فهل سينجح الرفاق في إيجاد صيغة مرنة تسمح لحزب التقدم والاشتراكية بالحفاظ على طموحه الحكومي، ولليسار الوحدوي والفيدرالية بالاحتفاظ ببوصلة النضج التنظيمي، أم أن عقدة المقاعد والوزارات ستجهض حلم الوحدة اليسارية في أمتارها الأخيرة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *