عجز المراسيم يفرمل الإصلاح.. المجموعات الصحية الترابية تدخل غرفة الإنعاش قبل تفعيلها الفعلي

تواجه المنظومة الصحية الوطنية اليوم اختبارا حقيقيا يكشف الهوة الواسعة بين الوعود الحكومية الوردية والواقع الميداني المأزوم، فبعد أن جرى الترويج لـ “المجموعات الصحية الترابية” كطوق نجاة وهيكلة سحرية كفيلة بإنهاء عقود من التخبط البنيوي، بدأت ملامح الفشل تطفو على السطح لتؤكد أن تغيير المسميات لم يعالج الاختلالات المتراكمة. وجعل المراهنة على المقاربة الترابية كحل تقني صرف، دون معالجة الجذور المالية والإدارية للأزمة، من هذه المجموعات مجرد غلاف إداري جديد لخدمات متهالكة، حيث كشفت الفعاليات النقابية أن سياق التنزيل الذي كان يُفترض أن يؤسس لمرحلة الحكامة الجيدة والشراكة الاجتماعية الفعلية، قد حاد عن مساره ليتحول إلى حالة من الجمود القاتل، حيث لم يتحقق أي تقدم ملموس في الملفات المطلبية العالقة، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول جدوى إصلاح لا يرتكز على التزام إداري أخلاقي ومادي تجاه العنصر البشري الذي يعد العمود الفقري لأي تغيير.
وفي هذا الصدد، لم تكن انتقادات البرلمانية لبنى الصغيري عن فريق التقدم والاشتراكية مجرد ملاحظات عابرة، بل جاءت لتضع الإصبع على جرح العطالة التشريعية، إذ إن القانون المتعلق بإحداث هذه المجموعات ظل يراوح مكانه لثلاث سنوات دون مراسيم تنظيمية تمنحه الروح والفعالية، مما أدخل القطاع في نفق من الضبابية القاتلة.
ولعل أخطر ما يواجهه الإصلاح اليوم هو الارتباك القانوني في تدبير الموارد البشرية، حيث جرى نقل الأطباء المتعاقدين إلى هذه المجموعات في غياب تام لسند قانوني صريح، وضبط مسطرة الإلحاق التي يضمنها النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، مما أدى إلى بعثرة مساراتهم المهنية وضياع سنوات من الأقدمية وتجميد الترقيات، وهو ما يمثل طعنة في عمق الاستقرار النفسي والوظيفي للأطر الطبية التي وجدت نفسها في وضعية مغتربة داخل إداراتها الجديدة.
وعلاوة على الهشاشة القانونية، تبرز إشكالية تسليع الصحة كأحد أخطر الإفرازات النوعية لهذا النموذج، حيث إن رهن أجور الأطباء بمداخيل المراكز الصحية التي يشتغلون فيها يحول الطبيب من فاعل إنساني يقدم خدمة عمومية إلى محصل ديون أو باحث عن العائد المادي لتأمين راتبه، وهو ما يضرب في العمق مبدأ مجانية الولوج للعلاج وتكافؤ الفرص بين المواطنين في المناطق الغنية والمناطق الفقيرة.
هذا وقد هذا التوجه نحو الاستقلال المالي المشروط للمجموعات الصحية الترابية إلى تعميق الفوارق المجالية، حيث ستزدهر المجموعات في المدن الكبرى على حساب المناطق النائية التي تفتقر أصلا لمصادر الدخل والجاذبية الاستثمارية، مما يجعل الإصلاح في محصلته النهائية يخدم الأرقام المحاسباتية أكثر مما يخدم صحة المغاربة، ويحول المؤسسات الصحية إلى وحدات تجارية تتسابق لتحقيق التوازن المالي على حساب جودة الرعاية وعيش الشغيلة الصحية.