425 مليون درهم في 10 أيام.. أرقام إشهارية فلكية تكرس الابتذال وتضرب القيم المغربية في مقتل

كشفت معطيات حديثة صادرة عن المرصد المغربي “Les Impériales”، استنادا إلى بيانات مؤسسة “Imperium” لمعالجة المعلومات، أن الاستثمارات الإشهارية خلال الأيام العشرة الأولى من شهر رمضان 2026 قد بلغت رقما ضخما استقر في 425 مليون درهم، مسجلة زيادة طفيفة بنسبة 1% مقارنة بنفس الفترة من السنة الماضية. ورغم أن هذا الرقم يعكس استقرارا في ميزانيات المعلنين وسوقا تتسم بالحذر والترشيد، إلا أنه يطرح تساؤلات حارقة حول الفجوة الهائلة بين حجم الإنفاق وبين جودة المنتج القيمي الذي يقدم للمغاربة في أقدس شهور السنة.

وبحسب الأرقام المعلنة، لا يزال التلفزيون يسيطر على حصة الأسد بنسبة 65.3% من مجموع هذه الاستثمارات، مما يجعله المنصة الرئيسية التي تضخ فيها الملايين لاختراق بيوت المغاربة في وقت الذروة. وتأتي اللوحات الإشهارية في المرتبة الثانية بنسبة 13.6%، تليها الإذاعة بنسبة 12.2%، في حين سجل المجال الرقمي صعودا طفيفا ليصل إلى 6.7%. وعلى مستوى القطاعات، يتربع قطاع المواد الغذائية على العرش بحصة 39.3%، يليه قطاع الاتصالات بنسبة 21.1%، بينما سجلت شركات التأمين والسيارات ارتفاعات قياسية في ميزانياتها الإشهارية.

غير أن قراءة هذه الأرقام الباردة إن صح التعبير لا تكتمل دون كشف الوجه المسكوت عنه؛ فهذه المبالغ الفلكية التي تصرف في بضعة أيام لا تعكس بأي حال من الأحوال طموحاً لتجويد الذوق العام أو الارتقاء بالوعي المجتمعي. بل على العكس تماما، يرى مراقبون أن “تسونامي” الإشهار الرمضاني أصبح أداة لضرب الخصوصية المغربية في العمق، عبر تكريس ثقافة الاستهلاك المفرط وتمييع القيم الأصيلة. فبينما تدفع الملايين لشركات الإشهار والإنتاج، يجد المواطن المغربي نفسه أمام محتوى يتسم غالبا بالسطحية والابتذال، حيث تتحول المائدة الرمضانية من رمز للروحانية والترابط إلى واجهة عرض تجارية تثير الغرائز الاستهلاكية وتؤجج الفوارق الاجتماعية.

ويؤكد تركز الاستثمارات في يد عدد أقل من المعلنين (حيث تراجع عددهم في التلفزيون من 91 إلى 83 مع استقرار الميزانية) (يؤكد) أننا أمام لوبيات إعلانية تفرض وصايتها على ما يشاهده المغاربة، محولة الذوق العام إلى سلعة خاضعة لمنطق الربح والخسارة فقط. وبدلا من أن تكون هذه الاستثمارات محركا لدعم إنتاج ثقافي ودرامي يحترم ذكاء المشاهد ويصون هويته، نجدها تساهم في تغذية برامج التهريج والنمطية التي تسيء لصورة المجتمع المغربي وتنسلخ عن واقعه، مما يجعل من هذه الـ 425 مليون درهم ميزانية ضخمة لتمويل الرداءة برعاية رسمية من كبار المستثمرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *