بين لقجع وبنسعيد.. من يقف خلف تنظيم أكبر التظاهرات الثقافية والرياضية بالمغرب؟

المستقل | فؤاد السعدي

خلال السنوات الأخيرة، أصبح تنظيم التظاهرات الثقافية والرياضية الكبرى بالمغرب جزءا من دينامية أوسع تسعى إلى تعزيز الحضور الدولي للبلاد وترسيخ مكانتها كوجهة إقليمية للأحداث الكبرى. وفي هذا السياق، برز اسم شركة متخصصة في مجال التنظيم والتواصل بشكل متكرر في عدد من أبرز الفعاليات التي احتضنتها المملكة، من المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط إلى تظاهرات مرتبطة بصناعة الألعاب الإلكترونية، مرورا بحفلات جوائز كروية قارية وببعض البطولات الإفريقية لكرة القدم داخل القاعة. هذا الحضور المتكرر أثار نقاشا داخل الأوساط المهنية والإعلامية حول طبيعة المنافسة في سوق تنظيم التظاهرات الكبرى، وحول المعايير التي تحكم إسناد الصفقات المرتبطة بها، خاصة في ظل الرهانات الاقتصادية والثقافية والدبلوماسية التي أصبحت هذه الأحداث تمثلها للمغرب.

في مرحلة يسعى فيها المغرب إلى ترسيخ نموذج متقدم في الحكامة وتعزيز ثقافة ربط المسؤولية بالمحاسبة، يصبح من الطبيعي أن يولي الرأي العام اهتماما أكبر بكيفية تدبير المال العام، خصوصا في القطاعات التي تعرف توسعا سريعا مثل الثقافة والصناعة الإبداعية والرياضة. فهذه المجالات لم تعد مجرد فضاءات للترفيه أو التعبير الفني، بل تحولت إلى أدوات اقتصادية ودبلوماسية ناعمة تعكس صورة البلاد دوليا وتستقطب استثمارات وشراكات متعددة. ومع اتساع هذا الدور، يتزايد الاهتمام بآليات إسناد الصفقات المرتبطة بتنظيم هذه التظاهرات، وبمدى احترام مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص التي تشكل إحدى ركائز الحكامة الحديثة.

ضمن هذا السياق، لاحظ عدد من المتابعين تكرار حضور الشركة نفسها في عدد من الفعاليات التي نظمت خلال السنوات الأخيرة، سواء في المجال الثقافي أو الرياضي. فمنذ تعيين محمد المهدي بنسعيد وزيرا للشباب والثقافة والتواصل، وبالتوازي مع الزخم التنظيمي الذي تعرفه الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بدأ اسم الشركة يظهر في أكثر من مناسبة تنظيمية كبرى. وقد شمل ذلك تنظيم أو مواكبة فعاليات مرتبطة بالمعرض الدولي للنشر والكتاب، إلى جانب أحداث ذات طابع رقمي مثل المعارض المرتبطة بصناعة الألعاب الإلكترونية، فضلا عن مساهمتها في إخراج حفلات مرتبطة بجوائز كروية قارية أو فعاليات رياضية تستقطب اهتماما إعلاميا واسعا.

هذا الامتداد عبر مجالات متعددة يثير لدى بعض المهتمين بالشأن الاقتصادي سؤالا تقنيا يتعلق بطبيعة سوق تنظيم التظاهرات بالمغرب. فهل يتعلق الأمر ببروز شركة استطاعت، بفضل خبرة تقنية متراكمة وشبكة علاقات مهنية واسعة، أن تفرض نفسها كفاعل رئيسي في هذا المجال؟ أم أن الأمر يعكس طبيعة سوق ما زالت في طور التشكل، حيث يظل عدد الشركات القادرة على تدبير تظاهرات بهذا الحجم محدودا نسبيا؟ في العديد من الدول، غالبا ما تتكرر أسماء شركات معينة في تنظيم الأحداث الكبرى بسبب امتلاكها بنية لوجستيكية متطورة وقدرة على إدارة مشاريع معقدة في وقت قصير، وهو ما قد يفسر جزئيا بروز فاعلين محددين في هذا القطاع.

في المقابل، يطرح بعض المتخصصين في الصفقات العمومية مسألة أهمية وضوح المساطر القانونية التي تحكم إسناد مثل هذه المشاريع. فالقانون المنظم للطلبيات العمومية بالمغرب ينص على مجموعة من الآليات التي تهدف إلى ضمان المنافسة العادلة بين المقاولات، من بينها إطلاق طلبات عروض مفتوحة وتحديد معايير تقنية ومالية واضحة لاختيار المتعهدين. ولذلك يرى بعض المراقبين أن النقاش حول هذه الحالات ينبغي أن يركز أساسا على مدى شفافية هذه المساطر وإتاحة المعلومات المتعلقة بها للفاعلين الاقتصاديين، بما يسمح بتعزيز الثقة في طريقة تدبير المشاريع المرتبطة بالأحداث الكبرى.

جزء آخر من النقاش الذي أثير في بعض الأوساط المهنية يتعلق بالمعطيات المالية والإدارية للشركات المتعاقدة مع المؤسسات العمومية. فالإطار القانوني يفرض على المقاولات الراغبة في المشاركة في الصفقات العمومية الإدلاء بوثائق تثبت وضعيتها الجبائية والقانونية، إضافة إلى ملفات تقنية ومالية مفصلة. وفي بعض الأحيان، قد تثير المعطيات المتاحة في قواعد البيانات التجارية تساؤلات حول مدى تحديث الوثائق المالية لبعض الشركات، وهو أمر قد يكون مرتبطا بأسباب إدارية أو بإجراءات محاسباتية مختلفة. مثل هذه الملاحظات لا تعني بالضرورة وجود خلل، لكنها تعكس اهتماما متزايدا لدى المتابعين بموضوع الشفافية المالية، خاصة عندما يتعلق الأمر بشركات تستفيد من مشاريع مرتبطة بالمال العام.

كما لا يمكن فصل هذا النقاش عن التحولات التي يعرفها المجال الرياضي في المغرب، والذي أصبح أحد أبرز أدوات القوة الناعمة للمملكة. فالمغرب بات يستقطب عددا متزايدا من التظاهرات القارية والدولية، كما يستثمر بشكل ملحوظ في تطوير بنيته التحتية الرياضية وفي صناعة الأحداث الكبرى المرتبطة بكرة القدم. هذا التوسع الطبيعي يرافقه ارتفاع في حجم الميزانيات المخصصة للتنظيم والتواصل والإخراج الفني، وهو ما يجعل سوق الشركات المتخصصة في هذا المجال أكثر حيوية، لكنه في الوقت نفسه يثير اهتماما أكبر من قبل الإعلام والرأي العام.

ويرى بعض المحللين أن التداخل بين عالم السياسة والرياضة ليس ظاهرة مغربية خالصة، بل هو سمة مشتركة في العديد من الدول، حيث تتحول الرياضة إلى مجال تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية والرمزية. غير أن هذا التداخل يتطلب في المقابل وضوحا أكبر في قواعد الاشتغال، حتى يظل النقاش حول التظاهرات الرياضية والثقافية في إطار تقييم السياسات العمومية وليس في إطار التأويلات السياسية أو الاقتصادية غير المؤكدة.

وعند النظر إلى التظاهرات التي ارتبط اسم الشركة بتنظيمها خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا، يظهر حجم الرهانات المرتبطة بهذا القطاع. فقد شاركت في تنظيم معرض دولي للألعاب الإلكترونية يهدف إلى تطوير صناعة رقمية ناشئة بالمغرب، كما ساهمت في إخراج حفل جوائز كروية قارية بمدينة مراكش استقطب اهتماما إعلاميا واسعا. إضافة إلى ذلك، حضرت في تنظيم الدورة الأخيرة من المعرض الدولي للنشر والكتاب، الذي يعد من أبرز التظاهرات الثقافية في المنطقة، فضلا عن مساهمتها في فعاليات رياضية مثل بطولة إفريقيا لكرة القدم داخل القاعة، بما في ذلك تصميم وتنفيذ حفلات الافتتاح والاختتام.

هذه التظاهرات ليست مجرد مناسبات احتفالية، بل مشاريع تنظيمية معقدة تتطلب خبرات متعددة تشمل الإنتاج الفني والتقني والتواصل الدولي وإدارة اللوجستيك. ولذلك فإن النقاش حول كيفية إسنادها لا يتعلق فقط بأسماء الشركات، بل بالمنظومة التي تنظم هذا القطاع بأكمله. فكلما ارتفع عدد الأحداث الدولية التي يحتضنها المغرب، كلما زادت الحاجة إلى سوق تنافسية وشفافة للشركات القادرة على تنظيمها.

في نهاية المطاف، يبقى الهدف من هذا النقاش تعزيز الثقة في المؤسسات وفي آليات تدبير المال العام، وليس التشكيك في نجاح التظاهرات التي أصبحت جزءا من صورة المغرب الدولية. فالمساءلة والشفافية عنصران أساسيان في أي تجربة ديمقراطية حديثة، وهما أيضا أفضل وسيلة لضمان استمرار النجاحات التي حققها المغرب في مجال تنظيم الأحداث الثقافية والرياضية الكبرى. وبين من يرى في تكرار اسم شركة واحدة دليلا على خبرة مهنية متراكمة، ومن يعتبره مؤشرا يستحق مزيدا من التدقيق، يبقى الرهان الحقيقي هو أن تظل قواعد المنافسة واضحة ومتاحة للجميع، وأن تستمر المؤسسات الرقابية في أداء دورها الطبيعي في توضيح الصورة كلما ظهرت تساؤلات لدى الرأي العام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *