الاعتقال الاحتياطي خناق السجون المغربية.. 34 ألف معتقل دون أحكام نهائية يسائلون منظومة العدالة

دق التقرير السنوي للمجلس الوطني لحقوق الإنسان لسنة 2024 ناقوس الخطر بشأن الوضعية الراهنة للمؤسسات السجنية بالمغرب، كاشفا عن أرقام ومؤشرات غير مسبوقة تضع منظومة العدالة الجنائية والسياسة العقابية أمام مرآة الحقيقة.

فبين اكتظاظ خانق يلتهم المساحات المخصصة لأنسنة ظروف الاعتقال، ولجوء مفرط لسلب الحرية قبل صدور الإدانة النهائية، تبدو الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى لتفعيل الترسانة القانونية الجديدة التي يراهن عليها الفاعلون كطوق نجاة حقوقي لإخراج السجون من أزمتها البنيوية.

وتكشف المعطيات الثقيلة الواردة في التقرير أن الساكنة السجنية في المغرب سجلت قفزة قياسية مع نهاية عام 2024، حيث استقرت عند 105,094 سجينا، بزيادة قدرها 2.29% مقارنة بالسنة الماضية. وهذا التضخم العددي لا يعكس فقط تحديات أمنية محضة، بل يطرح إشكالية حقوقية كبرى تتعلق بمدى قدرة هذه المؤسسات على ضمان الحد الأدنى من شروط الكرامة الإنسانية التي تنص عليها المعايير الدولية والوطنية، خاصة في ظل محدودية الطاقة الاستيعابية الحالية.

وتظل النقطة الأكثر إثارة للجدل والقلق في تشخيص المجلس هي استمرار هيمنة الاعتقال الاحتياطي على المشهد السجني، حيث تحول من تدبير استثنائي إلى ما يشبه القاعدة في الممارسة القضائية.

وحسب الأرقام الرسمية، فإن 32.56% من مجموع النزلاء، أي ما يقارب 34 ألف شخص، يقبعون خلف القضبان كمعتقلين احتياطيين دون صدور أحكام نهائية بحقهم. هذا الاعتماد المفرط على سلب الحرية كإجراء وقائي يساهم بشكل مباشر في تخنيق السجون ويعيق برامج إعادة الإدماج، كما يضرب في العمق قرينة البراءة التي يكفلها الدستور والمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب.

ولم يتوقف تأثير الاكتظاظ عند ضيق المساحة الشخصية فحسب، بل تحول إلى ضغط نفسي واجتماعي حاد ترجمته لغة الاحتجاج عبر الأمعاء الفارغة؛ إذ رصد المجلس الوطني لحقوق الإنسان تسجيل 1,317 حالة إضراب عن الطعام خلال سنة واحدة. ورغم أن دوافع هذه الإضرابات تتأرجح بين الاحتجاج على طول مساطر التقاضي أو المطالبة بتحسين ظروف الإيواء والرعاية، إلا أنها تمثل في جوهرها صرخة ضد واقع الزنازين المكتظة التي شهدت في حالات متعددة شجارات واحتكاكات بين النزلاء نتيجة التوتر الناتج عن تراجع الفضاء الشخصي والخصوصية.

وفي سياق متصل، نبه التقرير إلى أن المجهودات المبذولة في بناء سجون حديثة لا تحجب حقيقة أن المؤسسات القديمة لا تزال تعاني من تهالك بنيوي يمس الحقوق الجوهرية للنزلاء، لاسيما الحق في الصحة النفسية. كما سجلت الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب ملاحظات تقنية هامة بشأن غياب مساطر موحدة للتفتيش الجسدي ونقص حاد في الأطر الطبية القارة، مما يجعل من توفير الرعاية الصحية المناسبة تحديا يوميا يزداد تعقيدا مع تزايد أعداد الوافدين الجدد على السجون.

وفي مقابل هذا التشخيص القاتم، يفتح المجلس الوطني لحقوق الإنسان باب الأمل عبر الرهان على الانفراج التشريعي المرتقب. ويرى الخبراء والحقوقيون أن الحل المستدام لا يكمن في الإسمنت أو التوسع في بناء المزيد من السجون، بل في إحداث ثورة في فلسفة العقاب.

ويشمل ذلك التطبيق المرن والفعال لقانون العقوبات البديلة، وهو ما سيمكن من إخراج آلاف المعتقلين في قضايا بسيطة من دائرة السجن، بالإضافة إلى ضرورة تقييد اللجوء للاعتقال الاحتياطي، وأنسنة الإدارة السجنية من خلال تنزيل مقتضيات القانون الجديد لتنظيم السجون الذي يضع الحقوق والرصد والوقاية في صلب أولوياته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *