كيف نحمي الجبهة الداخلية من حروب الوكالة العاطفية؟

تضع التحولات الدولية المتسارعة، والحروب المشتعلة في أكثر من بقعة من العالم، المجتمعات أمام اختبار معقد لا يقتصر على إعلان موقف سياسي بقدر ما يمتحن قدرتها على صون تماسكها الداخلي. وفي المغرب يكتسي هذا الاختبار طابعا أكثر دقة، لأن البلد الذي راكم عبر عقود ما يشبه “استثناءه الهادئ” في محيط إقليمي مضطرب، مطالب اليوم بتحصين وعيه الجماعي من ارتدادات أزمات لا يصنعها، لكنها تحاول التسلل إلى نقاشه الداخلي عبر بوابة العاطفة أو تحت لافتة التضامن غير المشروط.
فالتاريخ القريب يبين أن قوة الدول لا تقاس فقط بميزان الردع العسكري أو متانة التحالفات، بل بصلابة جبهتها الداخلية وقدرتها على إدارة الاختلاف دون أن يتحول إلى تصدع. ومن هذا المنطلق، يصبح التمييز بين تقديرات الدولة وتفاعلات المجتمع ضرورة استراتيجية لا ترفا نظريا. فالدولة تتحرك في مجال تحكمه الحسابات الدقيقة للمصالح العليا، وفي مقدمتها حماية الوحدة الترابية واستقرار البلاد، وهي ملفات لا تحتمل منطق الانفعال أو الاصطفاف العاطفي. في المقابل، يظل المجتمع فضاء حيويا للتعبير عن القناعات الأخلاقية والإنسانية، غير أن هذا التعبير يفقد قيمته حين ينزلق إلى خطاب يستنسخ استقطابات الخارج ويزرعها في التربة الوطنية.
هنا تحديدا تتبدى أهمية الوعي بطبيعة الفاعلين في النزاعات الدولية. فبعض القوى التي تحاول استمالة الرأي العام عبر خطاب المظلومية أو الشعارات القومية، تحمل في سجلها مواقف أو سياسات لا تنسجم مع مصالح المغرب الاستراتيجية، بل قد تتقاطع مع أطروحات تمس ثوابته. لذلك فإن الانخراط غير الواعي في معارك خطابية عابرة للحدود قد يحول المواطن، من حيث لا يدري، إلى طرف في صراعات لا تخدم أولوياته الوطنية، وهو ما يمكن تسميته بالوكالة العاطفية، حين تستدرج المجتمعات لتبني سرديات لا تنطلق من مصالحها الذاتية، بل من أجندات خارجية تبحث عن توسيع نفوذها أو إعادة تشكيل خرائط الولاء.
غير أن أخطر ما يمكن أن تفرزه هذه اللحظة العالمية المضطربة ليس الاختلاف في التقدير، بل انزلاق النقاش الداخلي نحو التخوين المتبادل. فحين يتحول الخلاف حول قراءة نزاع دولي إلى اتهام في الوطنية، نكون قد نقلنا الحرب من خارج الحدود إلى داخلها رمزيا. والوطنية، في جوهرها، لا تعني التطابق الكامل في الآراء، بل القدرة على إدارة التباين ضمن سقف الثوابت الجامعة، وعلى رأسها الوحدة الترابية وأمن الدولة واستقرارها.
وبالتالي لا يمر تحصين الاستقرار المغربي عبر إسكات الأصوات، بل عبر ترسيخ ثقافة سياسية تفرق بين التعاطف الإنساني المشروع وبين الاصطفاف الذي قد يربك تموقع البلاد الاستراتيجي. كما يمر عبر تعزيز الثقة في مؤسسات الدولة وقدرتها على تقدير موازين القوى الدولية بما يخدم المصلحة العليا، دون الانجرار وراء موجات الاستقطاب التي تعصف بكثير من المجتمعات.
ومع كل هذا يظل الرهان الحقيقي هو إبقاء المغرب خارج منطق المحاور المتصارعة، مع الحفاظ على وحدة جبهته الداخلية، على اعتبار أن الدول التي تنجح في عبور العواصف ليست تلك التي تنعدم فيها الآراء المختلفة، بل تلك التي تجعل من اختلافها مصدر قوة لا مدخلا للانقسام. وفي زمن الحروب المتعددة الوجوه، يبقى الوعي الجماعي المتزن، والالتفاف حول الثوابت، هو السد المنيع الذي يحمي الوطن من رياح لا تهدأ.