بنكيران يهاجم دبلوماسية المملكة ويضع سمعة المغرب في الميزان

فتح الهجوم الحاد الذي شنه عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة الأسبق، على السياسة الخارجية للمملكة، جبهة جديدة من التوتر الذي يتجاوز حدود السجال المحلي ليلامس المناطق المحرمة في العرف الدبلوماسي المغربي. ففي كلمة منتقاة بعناية عبر حسابه على “الفيسبوك”، لم يتردد بنكيران في توجيه نقد لاذع لوزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، على خلفية انضمام المغرب إلى مجلس السلام الدولي برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، معتبرا أن الكلمة التي ألقاها الوزير نيابة عن جلالة الملك أمام مجلس الأمن تحمل في طياتها أخطاء غير مقبولة وتسيء لسمعة المملكة، وفق تعبيره.
وركزت سهام نقد رئيس الحكومة الأسبق على الفقرة المتعلقة بالالتزام المغربي بـ “القضاء على التطرف ومحاربة خطاب الكراهية وتعزيز التسامح والتعايش في غزة”، وهي العبارات التي رأى فيها بنكيران تحريضا مبطنا ضد حركة حماس، معتبرا أن صدور هذا الكلام باسم المملكة هو حط من مكانتها الدولية. غير أن القراءة الرصينة لهذا الموقف تظهر نوعا من الخلط المقصود بين المواقف الحزبية الإيديولوجية وبين العقيدة الدبلوماسية للمغرب، التي لطالما تميزت بالواقعية والقدرة على الجمع بين التمسك بالثوابت التاريخية للقضية الفلسطينية وبين الانخراط في المبادرات الدولية الكبرى التي تهدف إلى إرساء الاستقرار الإقليمي بعيدا عن منطق المحاور الضيقة.
فاندفاع بنكيران نحو انتقاد كلمة ألقيت نيابة عن جلالة الملك، يضعه في مواجهة مباشرة مع مبدأ وحدة السياسة الخارجية التي تعد اختصاصا سياديا ومحفوظا للمؤسسة الملكية، وهي الخطوة التي يراها مراقبون محاولة يائسة لاستعادة بريق سياسي آفل عبر استغلال الملفات العاطفية التي تدغدغ مشاعر القواعد. على اعتبار أن المغرب، بانضمامه لمجلس السلام الدولي، لم يتخلى عن دوره كفاعل متزن في الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، بل يسعى لتأمين مقعد في دوائر القرار الدولي المؤثرة، لضمان صياغة حلول واقعية تحمي المدنيين وتوقف نزيف الدم، بعيدا عن لغة الشعارات التي لم تقدم لغزة سوى مزيد من العزلة والدمار.
وأكدت هذه الخرجة “البنكيرانية” أن حزب العدالة والتنمية، في نسخته الحالية، بات يجد صعوبة بالغة في التكيف مع مغرب الفرص والتحولات الكبرى التي تنهجها المملكة في عهدها الجديد، حيث تتطلب الدبلوماسية الكثير من الذكاء الاستراتيجي والقليل من الحماس الخطابي. فوصف كلام وزير الخارجية بأنه يضع سمعة المغرب في التراب هو انزلاق تعبيري يعكس أزمة بدائل لدى تيار لم يعد يملك سوى المزايدة على مواقف الدولة في ملفات استراتيجية وحساسة، متجاهلا أن قوة المغرب تكمن في قدرته على الحوار مع جميع الأطراف، وأن التسامح والتعايش في غزة هما المخرج الوحيد للأجيال القادمة بعيدا عن دوامات العنف والتطرف التي أحرقت الأخضر واليابس.